يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة طفرة صناعية غير مسبوقة جعلته في مقدمة الدول الأكثر تنافسية عالميًا في صناعة السيارات، بعد أن أصبح الأقل كلفة على الإطلاق لإنتاج مركبة واحدة، وفق تقرير اقتصادي أوردته صحف إسبانية.
فبحسب التقرير، لا تتجاوز كلفة تصنيع السيارة في المغرب 90 يورو فقط، مقابل 820 يورو في إسبانيا، أي أقل بتسع مرات، وهو ما يفسر التحول المتسارع لشركات السيارات الأوروبية الكبرى نحو الاستثمار في المملكة، لما توفره من بيئة إنتاجية فعّالة وتكاليف تشغيل منخفضة.
ويحتل المغرب، وفق المؤشرات نفسها، المرتبة الأولى عالميًا في انخفاض كلفة الإنتاج، متبوعًا برومانيا (230 يورو) والمكسيك (260 يورو) وتركيا (355 يورو)، بينما ترتفع الكلفة بشكل حاد في أوروبا الغربية لتصل إلى 1330 يورو في فرنسا و2840 يورو في ألمانيا.
جهود حكومية ورؤية استشرافية
هذا التحول اللافت لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسات صناعية متكاملة أطلقتها الحكومة المغربية بتوجيهات من جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من التصنيع أحد الركائز الأساسية للنموذج التنموي الجديد.
فقد تم الاستثمار في بنية تحتية لوجستية من الطراز العالمي، أبرزها ميناء طنجة-ميد، الذي تحول إلى منصة تصديرية كبرى نحو أوروبا وإفريقيا، إلى جانب إنشاء مناطق صناعية موجهة للسيارات في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء، تستقطب كبريات الشركات العالمية.
قفزة نوعية في الإنتاج
بين عامي 2019 و2024، سجل قطاع السيارات في المغرب نموًا بنسبة 30% في حجم الإنتاج، وهي أعلى نسبة نمو في العالم خلال الفترة ذاتها، في وقت تراجعت فيه وتيرة التصنيع في عدد من الدول الأوروبية.
كما ساهمت شركات رينو (Renault) وستيلانتيس (Stellantis) في ترسيخ مكانة المغرب كقوة صناعية إقليمية، بفضل استثمارات ضخمة في الإنتاج الموجه للتصدير.
من “صُنع في المغرب” إلى “ابتكر في المغرب”
ولم يعد نجاح المغرب مقتصرًا على خفض كلفة اليد العاملة، بل أصبح نتيجة سياسات استراتيجية تركز على الابتكار ونقل التكنولوجيا، من خلال دعم التكوين المهني المتخصص، وتشجيع البحث الصناعي والتطوير في مجالات السيارات الكهربائية والمستدامة.
كما يعمل المغرب على تعزيز موقعه في سلاسل القيمة العالمية عبر الانخراط في صناعة البطاريات والطاقة النظيفة، مستفيدًا من موارده المعدنية مثل الليثيوم والكوبالت، ومن التحول العالمي نحو التنقل الأخضر.
المغرب.. ألمانيا إفريقيا الصناعية
بهذه الدينامية، يرسخ المغرب موقعه كـ “ألمانيا إفريقيا الصناعية”، حيث تلتقي الكفاءة مع الكلفة المنخفضة، ليصبح نموذجًا اقتصاديًا في الجنوب المتوسطي يجمع بين الاستقرار السياسي، والحوكمة الجيدة، والقدرة التنافسية العالية.
إن ما يعيشه قطاع السيارات اليوم ليس مجرد نجاح اقتصادي، بل تجسيد لرؤية ملكية بعيدة المدى تسعى إلى جعل الصناعة الوطنية رافعة للتنمية الشاملة ومصدراً للابتكار والتشغيل، لتنتقل المملكة من مرحلة التصنيع إلى مرحلة الابتكار الصناعي العالمي.

التعليقات مغلقة.