تجد القارة الأوروبية نفسها على أعتاب اختبار وجودي جديد قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة. فبينما كانت الأنظار متجهة نحو أزمة الطاقة، كانت أزمة أخرى تتبلور في صمت، لتعلن عن نفسها كالتحدي الاستراتيجي الأكبر في العقد المقبل: أزمة المعادن الحيوية التي تقف عليها ركائز الصناعة الحديثة من الدفاع إلى الذكاء الاصطناعي.
من أزمة الطاقة إلى التبعية المعدنية: تحول في التحديات
لقد نجحت أوروبا إلى حد كبير في إعادة تشكيل خريطة اعتمادها على الطاقة، حيث وافق وزراء الطاقة الأوروبيون في أكتوبر 2025 على حظر استيراد الغاز الطبيعي الروسي بالكامل بحلول نهاية 2027 . كما تشير البيانات إلى أن واردات الغاز الطبيعي المسال في أوروبا سجلت ارتفاعات قياسية في النصف الأول من 2025 . لكن هذا النجاح النسبي في قطاع الطاقة يخفي وراءه تحدياً أكثر تعقيداً.
فالقارة التي حررت أسواق الطاقة من القبضة الروسية عبر خطة REPowerEU، تواجه اليوم هيمنة من نوع جديد: هيمنة صينية شبه مطلقة على سلاسل توريد المعادن الحيوية التي لا غنى عنها لأي اقتصاد حديث. فما أنجزته في مجال الطاقة، تحتاج اليوم لإنجازه في مجال المعادن عبر خطة جديدة يمكن تسميتها “RESourceEU”.
تكشف الأرقام عن فجوة استراتيجية خطيرة في قطاع المعادن الحيوية في أوروبا حبث تعتمد أوروبا بشكل كامل تقريباً على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من المعادن الحيوية مثل الجيرمانيوم والغاليوم والأنتيمون .
تسيطر الصين على ما يقرب من 90% من معالجة عناصر الأرض النادرة عالمياً، و60% من الليثيوم المعالج .
من المتوقع أن يقفز الطلب الأوروبي على الجيرمانيوم وحده بنسبة 30% خلال العقد المقبل، في وقت يشهد الإنتاج المحلي شبه المعدوم.
لم تشهد أوروبا بناء أي مصهر جديد للمعادن منذ تسعينيات القرن الماضي، بينما أغلق ثلث المصاهر القائمة خلال عقد واحد فقط بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وهروب الاستثمارات. وتشكل المصاهر أصولاً استراتيجية، ودونها تتوقف عجلة صناعات حيوية من السيارات إلى الطائرات والبناء والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
في مواجهة هذا التحدي، أطلق الاتحاد الأوروبي “قانون المواد الخام الحرجة” الذي يحدد أهدافاً طموحة بحلول 2030 :
10% من الاستخراج محلياً
40% من المعالجة داخل الاتحاد الأوروبي
25% من إجمالي الاحتياجات من إعادة التدوير
تحديد سقف أقصى لا يتجاوز 65% للاستيراد من أي دولة خارجية واحدة
كما تبحث المفوضية الأوروبية فرض شروط نقل التكنولوجيا من الشركات الصينية لنظيراتها الأوروبية كشرط للعمل داخل السوق الموحدة، في خطوة تعكس قلب السياسات الصينية نفسها ضدها .
تقدر تكاليف تحديث البنية الصناعية للمصاهر الأوروبية بين 75 و150 مليار يورو، وهو رقم ضخم بلا شك، لكن الخبراء يشيرون إلى أنه يمكن تعويضه خلال أسبوع أو أسبوعين فقط من إنتاج قطاعات السيارات والدفاع والبناء في أوروبا.
وتقترح مراكز الأبحاث الأوروبية حزمة من الحلول تشمل دعم حكومي مباشر لقطاع المصاهر والمعادن
وتوفير كهرباء بأسعار مخفضة للصناعات الاستراتيجية وبناء مخزونات استراتيجية من المعادن الحيويةمع توقيع عقود شراء طويلة الأجل مع منتجين موثوقين وتطوير خطط حماية مماثلة لتجارب أميركا وأستراليا
يحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب له من أن “أوروبا كيان يمكن أن يموت، ومصيره يتوقف بالكامل على قراراتنا” . هذه التحذيرات لم تعد مجرد كلمات، بل أصبحت واقعاً ملموساً في ظل تنامي الاعتماد على الصين في توريد المكونات الأساسية من البطاريات إلى الشرائح الدقيقة .
ويشير الخبراء إلى أن أوروبا تمتلك الرؤية لكنها تفتقد السرعة والجرأة، وأن أي تأجيل جديد قد يجعل خططها الدفاعية “مجرد وثيقة بيروقراطية أخرى في أرشيف العواصم الأوروبية، بينما يتقدم الآخرون بخطى حاسمة نحو السيطرة على الاقتصاد العالمي” .
أزمة المعادن الحيوية في أوروبا ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هي مسألة سيادة استراتيجية ستحدد قدرة القارة على البقاء كلاعب رئيسي في المشهد الجيوسياسي المستقبلي. فكما استطاعت أوروبا تحرير طاقتها من القبضة الروسية، فإن تحديها اليوم هو تحرير معادنها من القبضة الصينية.

التعليقات مغلقة.