تتجه وزارة العدل نحو معالجة إشكالية تدبير الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة التي طالما شكلت تحدياً في تنفيذ الأحكام القضائية. من خلال إعداد مشروع قانون لإحداث وكالة وطنية متخصصة، يهدف المغرب إلى وضع إطار مؤسساتي واضح وفعال، يعالج الثغرات القانونية الحالية ويرتقي بمستوى الالتزامات الدولية في مكافحة الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب.
جرى رفع مشروع القانون إلى وزارة الاقتصاد والمالية للتأشير قبل عرضه على مسطرة المصادقة النهائية. يأتي هذا الإصلاح استجابة للالتزامات الدولية للمغرب، خاصة اتفاقيات مكافحة الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب، بالإضافة إلى توصيات مجموعة العمل المالي (GAFI)، التي شددت على ضرورة إرساء آليات واضحة لإدارة الأموال المجمدة أو المصادرة. كما يندرج المشروع في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى تحديث المنظومة القضائية وتفعيل ميثاق إصلاح العدالة.
ستناط بالوكالة مهام واسعة تشمل تنفيذ القرارات الزجرية، وإدارة الأصول المنقولة والعقارية المحجوزة أو المجمدة، مع إمكانية تحويل ملكيتها أو استغلالها لفائدة المحاكم والأجهزة الأمنية بناءً على إذن قضائي. كما ستتولى الوكالة استيفاء الغرامات والصوائر القضائية، وتتبع تنفيذ علاجات الإدمان في إطار الأحكام القضائية، فضلاً عن تدبير الأموال الخاضعة لتجميد عقوبات مجلس الأمن.
ستتمتع الوكالة بصلاحيات واسعة للاطلاع على المعطيات المتوفرة لدى مختلف الإدارات دون إمكانية الاحتجاج بالسر المهني، مما يضمن شفافية وفعالية في عملها. كما سيتم إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة حول الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة، لتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية وضمان تدبير أمثل لهذه الأصول.
يستند المشروع إلى مقاربة تشاركية استفادت من التجارب الدولية الناجحة، لا سيما نموذج فرنسا التي حققت وكالتها المماثلة مداخيل مهمة للدولة. وأكد وزير العدل أمام البرلمان أن هذا النموذج يعد مرجعية أساسية في تصميم الوكالة الوطنية، لضمان تحقيق أقصى استفادة مالية وقانونية من الأموال المحجوزة والمصادرة.
يُتوقع أن يساهم إحداث هذه الوكالة في تعزيز فعالية المنظومة القضائية، وضمان تنفيذ سليم للمقررات الصادرة عن المحاكم الوطنية والقرارات الواردة في إطار التعاون القضائي الدولي. كما سيعزز آليات المتابعة والزجر المنصوص عليها في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ويرسخ ثقة المواطنين في نزاهة المؤسسات القضائية والأمنية.
يمثل مشروع قانون إحداث الوكالة الوطنية لإدارة الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة خطوة جريئة نحو تجسيد إصلاح حقيقي في قطاع العدالة. فهو ليس مجرد رد على التوصيات الدولية فحسب، بل إرادة سياسية ومؤسساتية لبناء آليات تحقق العدالة الناجزة وتعزز الشفافية المالية، في مسار متكامل يضع المغرب في مصاف الدول الرائدة في مكافحة الجريمة والفساد.

التعليقات مغلقة.