يشهد قطاع التجارة الإلكترونية في المغرب مرحلة مفصلية جديدة، مدفوعة بتراكم نمو داخلي مستقر وتوسع ملحوظ في التعاون الدولي، خاصة مع المملكة العربية السعودية، ما يعزز تموقع السوق الرقمي المغربي كأحد أكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد الوطني.
ووفق تقرير شامل صادر عن مؤسسة Research and Markets في فاتح فبراير 2026، يُتوقع أن يبلغ حجم سوق التجارة الإلكترونية بين الشركات والمستهلكين (B2C) في المغرب حوالي 3.17 مليارات دولار مع نهاية سنة 2025، على أن يواصل مساره التصاعدي بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 2.6 في المائة إلى غاية سنة 2029، ليصل إلى نحو 3.51 مليارات دولار.
ويعكس هذا الأداء الإيجابي صمود القطاع في وجه التقلبات الاقتصادية العالمية وتغير أنماط الاستهلاك، مستندًا إلى سجل نمو متواصل خلال الفترة الممتدة ما بين 2020 و2024، حيث سجل معدل نمو سنوي مركب بلغ 2.3 في المائة. ويعزو التقرير هذا التطور إلى جملة من العوامل البنيوية، في مقدمتها توسع البنية التحتية للإنترنت، وتسارع التحول الرقمي في قطاعات التجارة والخدمات، إلى جانب ارتفاع مستوى ثقة المستهلك المغربي في المعاملات الإلكترونية.
وعلى مستوى القطاعات الأكثر تحريكًا للنمو، يتصدر قطاع التجزئة المشهد، مدفوعًا بازدهار مبيعات الملابس ومستحضرات التجميل والإلكترونيات والأجهزة المنزلية عبر المنصات الرقمية. كما يشهد قطاعا السفر والسياحة تحولًا رقميًا متسارعًا، مع تزايد الاعتماد على الحجز الإلكتروني لوسائل النقل والإقامة، في وقت تواصل فيه خدمات التوصيل الغذائي، والإعلام الرقمي، والترفيه، والصحة، والتكنولوجيا، تعزيز حضورها داخل المنظومة الرقمية الوطنية.
ويرتبط هذا التوسع، حسب التقرير، بمزيج من الاستثمارات الذكية والتحولات السلوكية، من بينها ارتفاع الإنفاق على التسويق الرقمي، وتطور حلول الأداء الإلكتروني، وتحسين سلاسل اللوجستيك، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة في خدمة الزبناء. كما أسهم تنوع النماذج الرقمية، من المنصات المباشرة إلى المستهلك، وتطبيقات التجميع، والتجارة بين الأفراد، في توسيع قاعدة المستخدمين وخيارات البيع والشراء عبر الإنترنت.
ولا يغفل التقرير أثر العوامل الديموغرافية في تشكيل ملامح السوق، حيث يقود الشباب موجة التحول نحو الأداءات الرقمية والدفع عبر الهاتف، مقابل تراجع تدريجي للاعتماد على النقد، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الجاهزية لاحتضان ابتكارات رقمية جديدة.
وفي هذا السياق، تبرز فرص استثمارية واعدة، خاصة في قطاعات التجزئة والسفر والتكنولوجيا، مع إمكانات كبيرة لتعزيز المداخيل عبر قنوات رقمية متعددة، واستهداف أسواق داخلية وخارجية. كما تتيح البيانات والتحليلات المتقدمة للشركات المغربية أدوات دقيقة لدعم اتخاذ القرار وتحسين العروض التجارية والتفاعل السريع مع تطلعات المستهلكين.
وعلى مستوى التعاون الدولي، استعرض الجانب المغربي وتيرة التحول الرقمي الوطني، مؤكّدًا التزامه بتعزيز الابتكار وتنمية الرأسمال البشري، من خلال تأهيل الكفاءات وفق المعايير العالمية، بما يدعم إطلاق مشاريع مشتركة ومبادرات رقمية عابرة للحدود.
ومع تسارع وتيرة الرقمنة وتكثيف الشراكات الاستراتيجية، يبدو أفق التجارة الإلكترونية في المغرب واعدًا، مدفوعًا بتكامل النمو المحلي والانفتاح الخارجي، ليواصل القطاع الرقمي ترسيخ موقعه كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني ونموذج متقدم لقوة الابتكار والاستثمار والتعاون الإقليمي.

التعليقات مغلقة.