عرف ملف الشكاية التي تقدم بها البرلماني السابق عن حزب التجمع الوطني للأحرار، رشيد الفايق، تطوراً لافتاً بعد فترة من الجمود، وذلك عقب قرار رئاسة النيابة العامة إحالتها على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس. هذا المستجد أعاد إلى الواجهة نقاشاً قانونياً ومؤسساتياً حول فعالية آليات التصدي لشبهات الفساد الانتخابي، ومدى قدرتها على تعزيز الثقة في المسار الديمقراطي.
وتكتسي هذه الإحالة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المعطيات الواردة في الشكاية، التي جرى تقديمها من داخل المؤسسة السجنية، والتي تتعلق بشبهات أفعال يُجرمها القانون، من قبيل تقديم أو تلقي منافع قصد التأثير على نتائج الانتخابات، والمشاركة أو المساهمة في شراء مقاعد برلمانية، فضلاً عن الاشتباه في تورط أطراف متعددة، من بينهم مسؤولون ترابيون وأشخاص ينتمون إلى تنظيمات سياسية.
ومن الزاوية القانونية، تبقى هذه المعطيات في إطار الادعاءات التي تخضع لمبدأ الفحص والتمحيص وفق القواعد المسطرية الجاري بها العمل، دون أن ترقى، في هذه المرحلة، إلى مستوى الوقائع الثابتة أو المسؤوليات الجنائية المؤكدة.
وتندرج الأفعال المزعومة، بحسب مضمون الشكاية، ضمن نطاق الجرائم الانتخابية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات، إضافة إلى مقتضيات القانون الجنائي ذات الصلة بالرشوة واستغلال النفوذ والمشاركة في الأفعال التي تمس بحرية ونزاهة الاقتراع. ويخول الإطار القانوني المنظم لهذه القضايا للنيابة العامة صلاحية تحريك الدعوى العمومية متى توفرت معطيات جدية تستدعي البحث أو التحقيق.
من الناحية الإجرائية، لا تعني إحالة الشكاية على الوكيل العام للملك ثبوت الوقائع أو قيام المسؤولية الجنائية لأي من الأطراف المعنية، بقدر ما تعكس تفعيل الاختصاص القانوني للنيابة العامة، وتمكين السلطة القضائية المختصة من تقييم المعطيات المعروضة عليها، واتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات بحث أو تحقيق عند الاقتضاء.
ويأتي هذا التطور في سياق سياسي يتسم بحركية تنظيمية داخل بعض الأحزاب، غير أن المقاربة القانونية تفرض الفصل الصارم بين المسار القضائي، الذي تحكمه قواعد الإثبات والمسؤولية الجنائية الفردية، والمسار السياسي أو التنظيمي، الذي يخضع لمنطق داخلي خاص بالأحزاب. وعليه، فإن أي ربط مباشر بين الإجراءات القضائية الجارية والرهانات السياسية يظل غير مؤسس قانوناً في غياب نتائج أو قرارات قضائية نهائية.
وفي هذا الإطار، يظل مبدأ قرينة البراءة، كما هو مكفول دستورياً، من الضمانات الأساسية التي يتعين احترامها، إلى جانب الحق في محاكمة عادلة لكافة الأطراف. كما يفرض القانون التعامل بحذر مع المعطيات أو التصريحات الصادرة عن أشخاص مدانين أو معتقلين، باعتبار أن أقوالهم تخضع لآليات دقيقة للتحقق والمواجهة مع باقي وسائل الإثبات.
وخلاصة القول، فإن إحالة شكاية رشيد الفايق على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس تندرج ضمن السير العادي لمؤسسات العدالة، وتعكس انخراط السلطة القضائية في فحص القضايا المرتبطة بالشفافية الانتخابية، دون إصدار أحكام مسبقة أو استنتاجات خارج ما ستسفر عنه الأبحاث والتحقيقات القضائية المختصة.

التعليقات مغلقة.