أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

صراع “الدرهم” يقسم سائقي الطاكسي بالرباط بين لوبي الابتزاز وأقلية الشرفاء

متابعة: ياسين فرجي

الرباط – في زاوية بعيدة عن محطة “جورانوي” بالرباط، تتوقف سيارة أجرة بصمت، سائقها يقرأ الجريدة أو يتظاهر بالانشغال، لكنه في الحقيقة “خارج الخدمة” أو بالأصح خارج الخدمة بالتسعيرة القانونية فقط ! هؤلاء هم جنود “لوبي العشرة دراهم” الذين يمارسون الابتزاز علنا وبكل تعال عن سلطة القانون، وكأنهم فوق من يسن القوانين ويفرض هيبة الدولة.

في الجانب الاخر من المعادلة، تقف أقلية من السائقين الشرفاء، يدافعون عن المواطن بكل شراسة، رافضين المال الحرام كما وصفوه في لقائنا معهم. هؤلاء، الذين يلتزمون بالتسعيرة العادلة، يعيشون وضع صعب، إذ يجدون أنفسهم أقلية “مستضعفة”، ليس فقط لغياب الدعم الكافي من السلطات المختصة، بل وأيضا بسبب تخاذل الركاب أنفسهم، الذين يرضخون للإبتزاز ويدفعون الضعف بكل رضى، مما يمنح “اللوبي” قوة إضافية للتغول على السائقين الملتزمين.

الدرهم الذي أشعل الحرب

المفارقة أن الثمن الأصلي للرحلة كان 5 دراهم، لكن مع غلاء المعيشة والتضخم التاريخي الذي يمر منه المغرب، اضطر السائقون بالإجماع للتفاهم على زيادة درهم واحد فقط، ليصبح السعر 6 دراهم. لكن عدد من السائقين شكلوا “لوبي” بالمحطة لاستغلال موجة الغلاء ليضاعف التسعيرة دفعة واحدة إلى 10 دراهم، متجاوزا كل الأعراف والتوافقات المهنية.

هذا الفارق بسيط جدا إن نظرنا إليه من زاوية السائق، لكن قد يصبح كارثي من زاوية المواطن. فبالنسبة للتلاميذ والطلاب، والموظفين والعمال الذين يضطرون لسلوك نفس الرحلة يوميا ذهابا وإيابا، فإن هذه الزيادة تعني _600 درهم_ إضافية في الشهر، وهو مبلغ يكفي لإطعام فرد لشهر كامل.

شكاية رسمية إلى الوالي توثق معاناة يومية

وفي تطور لافت، توجه سكان تجزئة سعيد حجي بشكاية رسمية إلى والي جهة الرباط سلا القنيطرة، إطلعت جريدة أصوات على نسخة منها، وثقوا فيها تفاصيل الابتزاز اليومي الذي يتعرضون له. وجاء في الشكاية، المرفقة بلائحة من توقيعات المتضررين، أن المواطنين يقضون ساعات طويلة بالانتظار في محطة “جورانوي” بالرباط دون وجود تاكسي واحد متجه نحو سعيد حجي، بينما تصطف العشرات باتجاه “الضحي” بـ 10 دراهم.

وأكد السكان في شكايتهم أن هؤلاء السائقين يخلقون “شح مصطنع” في الخط المتجه إلى تجزئتهم، مما يرغمهم على ركوب التاكسي نحو الضحي ثم العودة سيرا على الأقدام أو بوسائل أخرى، أو دفع التسعيرة المضاعفة تحت وطأة الحاجة. ووصف المواطنون هذه الممارسات بأنها “استغلال واضح وصريح” و”ابتزاز يومي” لا يمكن السكوت عنه.

حيث، طالبت الشكاية والي الجهة باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء هذه المعاناة، مؤكدين استعدادهم لتقديم أي معلومات إضافية للسلطات المختصة.

“لا أحد فوق القانون”

في خطاب العرش لـ 30 يوليوز 2018، أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله على مبدأ أساسي في تدبير الشأن العام، حيث قال: 

“لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المنشودة، دون تخليق الحياة العامة، وتكريس دولة القانون والمؤسسات، التي لا يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ولا أحد فوق المساءلة”

هذا المبدأ الملكي السامي يضع النقاط على الحروف في مواجهة ممارسات “لوبي” يتعامل مع القانون وكأنه غير موجود.

معركة وجود أم زيادة عابرة؟

نحن اليوم أمام زيادة تهدد استقرار عدد مهم من سكان سعيد حجي العاملين أو المتمدرسين بالرباط، وكذا سكان الرباط العاملين بسلا سعيد حجي. فهي ليست زيادة درهم أو إثنين، بل هي مضاعفة القيمة دفعة واحدة. وإن فاز “اللوبي” في حربه وفرض هذه الزيادة الخيالية، متجاوزا القوانين والأعراف والسلطات، فسيكون درع فوزهم مكتوب عليه: “اللوبي الأقوى من القانون”. وبهذه الصفة، _قد_ يضاعفون التسعيرة كل شهر حتى تصبح 100 درهم للرحلة بدل 5 دراهم.

ويبقى السؤال، إلى متى سيستمر العمل بالأعراف التي تشرعن الابتزاز؟ وما فائدة القانون إن لم يؤطر قطاع يعتبر من أهم شرايين المجتمع؟



التعليقات مغلقة.