أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

منع الهواتف في الامتحانات مدخل حاسم لإصلاح التعليم بالمغرب

بدر شاشا 

تظل نزاهة الامتحانات العمومية خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه. فحين تُخترق سرية الامتحانات، وخاصة امتحانات مصيرية مثل شهادة البكالوريا، لا يكون الضرر فردياً فحسب، بل يمس صورة الدولة، وثقة الأسر، وقيمة الشهادات، ومستقبل أجيال بأكملها. لقد حان الوقت في المغرب للانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى إصلاح جذري وحاسم يقوم على منع كلي لإدخال الهواتف إلى قاعات الامتحان، وتفعيل مراقبة صارمة حقيقية، باعتبار ذلك أساس الإصلاح التربوي المنشود.

تُعد الامتحانات الإشهادية، وعلى رأسها شهادة البكالوريا، محطة فاصلة في المسار الدراسي للتلاميذ. فهي ليست مجرد اختبار معرفي، بل بوابة عبور إلى التعليم العالي، وإلى فرص الشغل مستقبلاً. ومن ثم، فإن أي تسريب أو غش يمس هذه الامتحانات يهز مبدأ تكافؤ الفرص، ويضرب في الصميم قيمة الاستحقاق.
إن العدالة التربوية تعني أن يحصل كل مترشح على فرصته كاملة بناءً على اجتهاده الشخصي، لا بناءً على قدرته على التحايل أو الاستفادة من تسريب أو وسيلة غش. ولذلك، فإن حماية الامتحانات ليست إجراءً إدارياً بسيطاً، بل هي قضية أخلاقية ووطنية بامتياز.
لقد غيّرت التكنولوجيا شكل الحياة اليومية، لكنها في سياق الامتحانات أصبحت تمثل تحدياً حقيقياً. فالهواتف الذكية اليوم ليست مجرد وسيلة اتصال، بل منصات متكاملة للتصوير الفوري، وتبادل الملفات، والدخول إلى تطبيقات مشفرة، وتلقي الإجابات في ثوانٍ معدودة.
وجود هاتف واحد داخل قاعة الامتحان قد يعني تصوير ورقة الامتحان ونشرها فورا  تلقي أجوبة من الخارج. واستعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحل التمارين التنسيق بين مترشحين في مراكز مختلفة.
وعليه، فإن أي حديث عن نزاهة الامتحانات دون منع كلي وصارم لإدخال الهواتف يظل ناقصاً وغير واقعي.
يُمنع منعاً باتاً إدخال أي هاتف أو جهاز إلكتروني إلى قاعات الامتحان، في جميع الامتحانات العمومية، دون استثناء هذا المنع يجب أن يشمل الهواتف الذكية والعادي  والساعات الذكية السماعات اللاسلكية أي جهاز قابل للاتصال أو التصوير ولا يكفي التنصيص القانوني فقط، بل يجب تخصيص أماكن خارج القاعات لإيداع الهواتف إجراء تفتيش منظم ومحترم قبل الدخول توقيع المترشحين على التزام صريح  وتطبيق عقوبات فورية ورادعة عند المخالفة.
عندما يصبح المنع مطبقاً بصرامة وشفافية، سيتحول من إجراء استثنائي إلى ثقافة عامة تحترمها الأسر والتلاميذ.
كثيراً ما تُتخذ إجراءات تبدو صارمة على الورق، لكنها في الواقع تبقى شكلية. الإصلاح الحقيقي يقتضي:
1. تكوين المراقبين تكويناً خاصاً حول طرق الغش الحديثة.
2. توزيع المترشحين عشوائياً لتفادي أي تنسيق مسبق.
3. استعمال وسائل كشف إلكترونية عند الحاجة.
4. تحمل الإدارة مسؤوليتها الكاملة في تتبع أي خرق.
المراقبة الصارمة لا تعني خلق جو من التوتر، بل تعني فرض احترام القانون بعدل وهدوء، وبما يضمن كرامة الجميع.
العقوبات الرادعةرسالة واضحة للجمي  ولا إصلاح دون مساءلة. فكل من يثبت تورطه في تسريب الامتحانات تسهيل الغش التغاضي عن المخالفات،
يجب أن يخضع لإجراءات تأديبية وقانونية صارمة، سواء كان مترشحاً أو موظفاً أو أي جهة أخرى. فالإفلات من العقاب هو ما يشجع على تكرار الظاهرة.
قيمة أي شهادة علمية ترتبط بمصداقيتها. فإذا شاع الاعتقاد بأن النجاح يمكن أن يتحقق عبر الغش أو التسريب، فإن الشهادة تفقد وزنها داخل الوطن وخارجه.
المغرب في حاجة إلى شهادات قوية تعكس مستوى حقيقياً  وطلبة جامعيين يمتلكون كفاءات فعلية.
سوق شغل يثق في مخرجات المدرسة العمومية وهذا لن يتحقق إلا بامتحانات نزيهة وشفاف فالإصلاح الحقيقي يبدأ من النزاهة
كثيراً ما نربط إصلاح التعليم بالمناهج، والبنيات التحتية، والرقمنة، والموارد البشرية. لكن كل هذه الجهود تفقد معناها إذا كانت نتائج الامتحانات لا تعكس المستوى الحقيقي للتلاميذ.
الإصلاح يبدأ من سؤال بسيط: هل النجاح نتيجة استحقاق أم نتيجة تحايل؟
فإذا ضمنا النزاهة، ضمنا العدالة. وإذا ضمنا العدالة، استعدنا الثقة. وإذا استعدنا الثقة، أصبح الإصلاح ممكناً.
لا يمكن تحميل المدرسة وحدها المسؤولية. فثقافة تبرير الغش أخطر من الغش نفسه. حين يعتبر البعض أن الغاية تبرر الوسيلة، فإننا نربي جيلاً على التطبيع مع التحايل.
من هنا، يجب توعية الأسر بخطورة التسريبات تعزيز التربية على القيم و ترسيخ مبدأ الاستحقاق منذ المراحل الأولى فلحظة الحسم قد حانت.
إن منع تسريبات الامتحانات العمومية في المغرب، وعلى رأسها شهادة البكالوريا، ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية ملحة. والمنع الكلي لإدخال الهواتف إلى قاعات الامتحان، مقروناً بمراقبة صارمة حقيقية وعقوبات رادعة، يشكل الخطوة الأولى نحو إصلاح تربوي جاد.
لقد حان الوقت للانتقال من الشعارات إلى الأفعال، ومن التبرير إلى الحسم، ومن المعالجة المؤقتة إلى الحل الجذري نزاهة الامتحان هي كرامة الشهادة، وكرامة الشهادة هي كرامة الوطن.

التعليقات مغلقة.