أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قطع الماء والكهرباء عن مسنة يهز دوار الحشالفة بفاس

جريدة أصوات

في واقعة صادمة هزت ضمير الرأي العام المحلي والوطني، تحول “دوار الحشالفة” التابع للجماعة الترابية “أولاد الطيب” بضواحي عمالة “فاس”. لمسرح لتصفية حسابات ضيقة ضحيتها سيدة مسنة في أرذل العمر. بعد أن عمد أشخاص إلى عزل مسكن السيدة وعائلتها عبر قطع ربطه بشبكتي الماء الصالح للشرب والكهرباء. تاركين إياها تصارع عتمة الليل وقسوة العطش؛ في سلوك فوضوي تجاوز الأعراف الإنسانية، ليعيد إلى الأذهان ممارسات “السيبة” وأخذ “الحق باليد” من خارج نطاق القانون والمؤسسات.
نازلة صادمة لم تعد مجرد خلاف عادي بين أطراف، بل تحولت إلى قضية رأي عام تسائل هيبة الدولة وسيادة القانون، وسط تساؤلات حارقة من الساكنة. هل أصبحنا نعيش في زمن “السيبة” والفوضى وتصفية الحسابات ضدا على القوانين الجاري بها العمل؟. إذ أن الفعل أصبح يسائل هيبة الدولة وسيادة القانون. لاسيما وأن الضحية تعاني من أمراض مزمنة حرجة، السكري وارتفاع ضغط الدم وهشاشة العظام و”الكلاوي”. ما يجعل من حرمانها من هذه الموارد الحيوية تهديدا مباشرا ومستعجلا لحياتها واستقرارها.
تجمع المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية على أن الحق في الماء والكهرباء يعتبر من الحقوق الدستورية اللصيقة بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية. التي لا يجوز المساس بها خارج الإطار القضائي والمؤسساتي المخول قانونا.
إلا أن ما تشهده عائلة هاته السيدة المسنة بدوار “الحشالفة” يضرب هذه المبادئ في مقتل. حيث وجد هؤلاء المواطنون أنفسهم، بين عشية وضحاها. تحت رحمة “قانون الغاب” بعد قيام أشخاص بقطع الخيوط والمجاري الحيوية. تاركين مسنة تصارع قسوة العطش والظلام. في سلوك انتقامي ينم عن استهتار صارخ بالمؤسسات والمساطر القانونية التي تفرض اللجوء إلى القضاء والجهات المسؤولة في حال وجود أي نزاع. علما أنها تعاني من أمراض مزمنة. ما يجعل حضور هاته المادة الحيوية في حياتها نظير لاستمرار الحياة.
خطوة فوضوية أثارت موجة من الاستنكار من قبل الساكنة المحلية، التي اعتبرت هذا السلوك تجاوزا خطيرا لـ”دولة الحق والقانون”، وتكريسا لثقافة “أخذ الحق باليد”.
واقعة ترفع للواجهة مؤشرات على سيادة “منطق الغاب” في هذا السلوك. وهنا لا بد أن نطرح مجموعة من الأسئلة، ذات الصلة بالصفة القانونية للقيام بهذا الفعل. فقطع الخدمات الحيوية، الماء والكهرباء. يقتضي العبور عبر مساطر معقدة وإنذارات مسبقة. وبالتالي فالقيام بهذا الفعل يندرج ضمن خانة “جنحة انتزاع حيازة والتخريب والاعتداء على ممتلكات الغير”. فضلا عن كونه يعتبر انتهاكا لحرمة وبؤس المسنين. إذ أن استهداف سيدة مسنة وعائلتها يعكس غياب الوازع الأخلاقي والانساني.
أمام هذا الوضع المأساوي، تصاعدت صيحات الاستغاثة الموجهة للسلطات المحلية بعمالة فاس، وعلى رأسها والي الجهة وعامل الإقليم، وكذا القائد المحلي ورئيس “الجماعة الترابية لأولاد الطيب”، والسلطات القضائية. من أجل التدخل العاجل والفوري لإعادة الأمور إلى نصابها. وربط منزل المسنة بشبكتي الماء والكهرباء دون قيد أو شرط، حماية لأرواح المواطنين وتطبيقا لروح القانون.
في هذا السياق، يرى متتبعو الشأن المحلي، أن صمت السلطات أو تأخرها في الرد الحازم على مثل هاته الممارسات الفردية، قد يفهم منه تشجيعا مبطنا على الفوضى. ما يهدد السلم الاجتماعي ويفتح الباب أمام تكرار مثل هذه السلوكات “البائدة” التي تجاوزها المغرب الحديث في بناء مؤسساته.
إن قضية عائلة دوار “الحشالفة” بـ”أولاد الطيب” تعتبر اختبارا حقيقيا لمدى قدرة القانون على حماية المستضعفين وردع المتطاولين على حقوق الغير. ما يتطلب فتح تحقيق قضائي عاجل ونزيه في النازلة لتحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات القانونية في حق من ثبت تورطه في قطع هذه الموارد الحيوية. مع تفعيل مقاربة زجرية صارمة تضمن عدم تكرار مثل هاته الأفعال الفوضوية. صونا لكرامة المواطن المغربي وإعلاء لكلمة الحق والعدالة تحت سيادة دولة القانون والقرارات المؤسساتية.
تجدر الإشارة، أن القانون المغربي يؤكد على وجوب التصدي بصرامة كبيرة لفعل قطع الماء الشروب والكهرباء عن منتفعين به. لكون هاته المواد مصنفة كحقوق دستورية أساسية ترتبط بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية، لا يجوز المساس بها إلا في إطار مساطر قانونية ومؤسساتية معقدة.
يرى متتبعو الشأن القانوني أن إقدام أفراد ذاتيين، جيران أو أطراف في نزاع. على قطع الخيوط والمجاري الحيوية بشكل انفرادي. ينقل الفعل تلقائيا من الخلاف المدني إلى خانة الجريمة الجنائية المكتملة الأركان. ما يضع مقترفيها في مواجهة صك اتهام ثقيل يتضمن مقتضيات فصول مشددة من القانون الجنائي المغربي.
هنا لا بد أن نشير، أن الفصل 31 من الدستور المغربي، ينص على مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ضمنها الحق في العيش في بيئة سليمة، تضمن الاستقرار والولوج للماء الصالح للشرب والكهرباء. وبناء عليه، فإن قطع هذه المواد دون سند قانوني يعد انتهاكا غير مباشر للمقتضيات الدستورية اللصيقة بحقوق الإنسان.
تبعا لذلك، فإن التكييف القانوني لقطع الماء والكهرباء الصادر عن “أفراد ذاتيين/قانون الغاب”. لا يصنف قيام شخص ذاتي، مواطن، جار، أو صاحب أرض. بقطع الماء أو الكهرباء عن مواطن آخر تحت أي ذريعة، ضمن خانة الخلافات العقارية أو النزاعات الشخصية، أي كخلاف مدني بسيط. بل يدرجه تحت طائلة القانون الجنائي المغربي. أي تكييف الفعل كـ”جنحة انتزاع حيازة عقار” ، وفقا للفصل 570 من القانون الجنائي. الذي ينص على أنه إذا كان قطع الماء أو الكهرباء يستهدف إجبار الشخص على مغادرة مسكنه أو التضييق عليه في حيازته الهادئة للعقار. فإنه يواجه عقوبة حبسية من شهر إلى ستة أشهر مع الغرامة.
يهدف هذا الفصل، ذا الصلة بجنحة “انتزاع عقار من حيازة الغير”، المعروفة شعبيا بالسطو أو الترامي. إلى حماية الحيازة الفعلية (وضع اليد) ضد أي اعتداء مادي أو عنف. بصرف النظر عن مالك العقار الحقيقي. مبرزا أن أركان الجريمة تقوم مع توفر عنصرين أساسيين. الركن المادي، انتزاع العقار، سواء بالدخول إليه ووضع اليد عليه خلسة، أو بمنع الحائز الفعلي من الانتفاع به والتصرف فيه. بل أن المشرع يعتبر أن مجرد منع الحائز من ربط عقاره بالتيار الكهربائي أو تسويره. يشكل صورة من صور انتزاع الحيازة. فضلا عن الركن المعنوي، أي القصد الجنائي المتمثل في نية الجاني الاستيلاء على العقار وإخراج الحائز منه.
إذن، فالقانون يحمي الحيازة الفعلية أو المادية، (مجرد وضع اليد). حيث لا يشترط إثبات الملكية أو التملك القانوني. كما لا يشترط في الحيازة مدة زمنية معينة للحماية. حيث يؤكد على وجوب حمايتها حتى وإن كانت حيازة عرضية أو واقعة.
كما أن “الفصل 594 من القانون الجنائي”، المتصل بـ”جنحة التخريب والاضرار بملك الغير”، يؤكد على أنه وفي حال إقدام الجاني على قطع الخيوط الكهربائية أو تدمير قنوات الماء. يعاقب بالحبس والغرامة، على فعل إتلاف منشآت ذات منفعة خاصة أو عامة. كما أن القانون المغربي يتصدى لجرائم التهديد والابتزاز أو “أخذ الحق باليد”، أي أنه يجرم بشدة حل النزاعات بشكل انفرادي خارج سلطة القضاء. معتبرا إياه اعتداء على هيبة الدولة والقانون.
تجدر الإشارة، أن قطع الماء والكهرباء لا يمكن أن يتم إلا بموجب ثبوت عدم الأداء، أي التأخر عن سداد الفواتير القانونية بعد انقضاء الأجل المحدد. الذي يكون في الغالب ما بين 15 إلى 20 يوما من تاريخ صدور الفاتورة. مؤكدا، في الوقت نفسه، على وجوب توجيه إنذار رسمي كتابي مسبق، (Mise en demeure). مانحا للمشترك مهلة إضافية، تتراوح ما بين 7 إلى 15 يوما، لتسوية وضعيته. كما صدرت عدة وزارية وأحكام قضائية تحث على وجوب مراعاة الحالات الإنسانية والقهرية وتجنب قطع الماء في فترات الصيف الحار، أو خلال الأعياد الدينية، أو عن المنازل التي تضم حالات مرضية حرجة تستدعي وجود الكهرباء.
جدير بالذكر أن القضاء المغربي، خاصة المحاكم الإدارية والتجارية والاستعجالية. أصبح يتخذ توجها حمائيا بارزا للمواطن في هذا الشق. حيث يعتبر القضاء المستعجل قطع الماء والكهرباء دون سلوك المساطر القانونية أو الإنذار المسبق بمثابة “اعتداء مادي صارخ” و”خلق لمركز غير قانوني”. وهو ما يستلزم من قاضي المستعجلات إصدار أمر قضائي مشمول بالنفاذ المعجل على الأصل، أي يطبق فورا. يلزم الجهة التي قطعت المادة، سواء كانت شركة توزيع أو فردا ذاتيا. بإعادة ربط العداد فورا تحت طائلة “غرامة تهديدية/Astreinte” عن كل يوم تأخير. مع حفظ حق المتضرر في المطالبة بالتعويض عن الأضرار النفسية والمادية.
إذن فالقانون المغربي، يشمل الحق في الماء والكهرباء بالحماية الجنائية والإدارية. إذ لا يملك أي فرد الحق في قطعهما عن الغير مهما بلغت درجة النزاع. وفي حال حدوث ذلك، يملك المتضرر الحق في اللجوء إلى النيابة العامة، لتحريك المتابعة الجنائية بتهمة التخريب أو انتزاع الحيازة. أو إلى القضاء المستعجل، لإصدار أمر قضائي فوري بإعادة الربط.
كما أن القانون المغربي يواجه بصرامة شديدة، أي اعتداء يستهدف الفئات الهشة، وفي مقدمتها النساء المسنات والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. فالجمع بين الاعتداء الجسدي أو المعنوي، الهجوم على مسكن الغير، التحريض والسب والقذف. ينقل الأفعال من مجرد جنح عادية إلى جنح مشددة العقوبة، نظرا لظروف الضحية، كما الحال ها هنا، السن والمرض.
لا بد من الإشارة، إلى أن القانون المغربي ينص على تشديد العقوبات الجنائية إذا ارتكبت الجريمة ضد شخص عاجز عن حماية نفسه بسبب السن أو المرض. فضلا عن “القانون 103.13″، المجرم للعنف ضد النساء، الذي يكيف العقوبات ويرفعها إلى حدها الأقصى إذا كان العنف، سواء كان جسديا، نفسيا، أو اقتصاديا. موجها ضد امرأة بسبب جنسها. وتضاعف العقوبة إذا كانت الضحية امرأة مسنة أو تعاني من عاهة أو مرض مزمن، ما يجعل حركتها أو دفاعها عن نفسها مستحيلا.
من هنا، وبالرجوع لهوية الضحية، امرأة مسنة ومريضة. فإن هاته القضية تندرج ضمن باب الظروف المشددة للجريمة. ارتباطا بحالتي العجز الصحي والسن. حيث تعاني من مرض مزمن، ما يجعلها محمية بقوة القانون ضد منطق “السيبة” المسيد بـ”دوار الحشالفة. اعتبارا لكون الحق في الماء والكهرباء يعد من الحقوق الدستورية اللصيقة بالحق في الحياة. وقيام أي فرد بقطعهما عن غيره هو اعتداء مادي صارخ على هيبة الدولة قبل أن يكون اعتداء على المواطن.
تجدر الإشارة أيضا، أن الضحية سبق لها أن أقامت عدة شكايات في مواجهة معتدين مباشرين وغير مباشرين عليها. والأمر يتعلق بكل من “عزيز-ش”، “زهرة-خ”، “فاطمة-ش”، “نعيمة-ش”، “ع-حياة”، “سعيد-س” و”حسنة-م”. ذات الصلة بالهجوم على مسكن الغير، وفقا “للفصل 441 من القانون الجنائي”. الذي يجرم بشدة دخول مسكن الغير عن طريق التدليس، التهديد، أو العنف. منزلا بالفاعل عقوبة حبسية ما بين شهر إلى سنة مع الغرامة. ويتم تشديد هاته العقوبة إذا اقترنت بظروف الليل، أو قام بها عدة أشخاص، أو باستعمال العنف، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى خمس سنوات سجنا.
كما أن فعل السب والقذف فينظمهما “الفصلان 442 و443 من القانون الجنائي”. الذي ينص على أن السب والقذف الموجه علنا، أو عبر وسائل مختلفة. يعتبر جريمة تعاقب عليها الترسانة القانونية، بغرامات مالية وعقوبات حبسية تتفاوت حسب ما إذا كان السب والقذف قد ترتب عنه ضرر نفسي وجسيم للضحية. ويتم تشديد العقوبة طبقا “للقانون 103.13” إذا كان الهدف منها إهانة المرأة وتحقيرها.
في سياق متصل، يعتبر التحريض على ارتكاب جنح أو جنايات، وفق القانون المغربي، سواء بالقول، الإشارات، أو الكتابة. بمثابة مشاركة في الجريمة، وفقا لمنطوق “الفصل 129 من القانون الجنائي”. الذي ينص على معاقبة المحرض بنفس العقوبة المخصصة للفعل الأصلي الذي حرض عليه، (كالتحريض على الضرب، أو التحريض على تخريب الممتلكات).
جدير بالذكر أيضا، أنه وعلى الرغم من إيداع شكايات لدى الجهات القضائية في الموضوع، إلا الأفعال الجرمية لم تتوقف، حيث أصبحت المسنة تخشى على حياتها وحياة أسرتها.
من الناحية القانونية، فإن استمرار هاته الأفعال المنافية للقانون، على الرغم من إيداع شكايات في الموضوع، يمنح للضحية سلك مساطر إجرائية أكثر حزما. ضمنها إيداع شكاية مباشرة أمام قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية. في حال حفظ الشكايات العادية أو تأخر الاستجابة لها من طرف الضابطة القضائية. بغاية ضمان تحريك المتابعة بشكل تلقائي.
كما يمكن تقديم طلب مؤازرة حقوقي أو كتابي إلى السيد وكيل الملك، يشدد على “حالة الاستعجال القصوى”، نظرا للحالة الصحية للمسنة (مرض مزمن)، وخطر حدوث مضاعفات صحية قاتلة نتيجة الضغط النفسي، (السب، القذف، والهجوم). وهو ما قد يكيف الفعل كـ”إيذاء غير عمدي يتسبب في عجز أو خطر على الحياة”.
وضع جعل صيحات الاستغاثة تتصاعد من داخل دوار “الحشالفة” موجهة مباشرة للسلطات المحلية والإقليمية. من أجل التدخل الفوري وإعادة الأمور إلى نصابها وربط منزل المسنة بالماء والكهرباء دون قيد أو شرط. وبالتالي فإن صمت السلطات أو تراخيها في لجم مثل هذه السلوكات البائدة قد يفهم كتشجيع مبطن على الفوضى وتهديد للسلم الاجتماعي، في وقت يخطو فيه المغرب خطوات ثابثة نحو تكريس دولة الحق والقانون والمؤسسات، وضمان الحماية الجسدية والنفسية للمسنة وعائلتها ضد اي استهداف محملين هؤلاء الأشخاص المسؤولية عن كل ما يمكن أن يحصل، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله.

التعليقات مغلقة.