أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

النجاح المرهِق: حين يتحول المال إلى اختبار للإنسان الداخلي

بدر شاشا

صبح مفهوم النجاح في هذا الزمن الحديث يُقاس بمعايير رقمية باردة، لا علاقة لها كثيرًا بما يشعر به الإنسان داخليًا ولا بما يعيشه في صمته اليومي، ولا بما يتراكم في أعماقه من راحة أو قلق أو توازن. نحن نعيش مرحلة أصبح فيها السؤال الأول ليس “كيف حالك؟” بل “كم ربحت؟ كم أنجزت؟ كم مشروعًا أنهيت؟ كم مرة سافرت هذا الشهر؟”. وكأن الإنسان لم يعد يُقاس بإنسانيته، بل بعدد المهام التي استطاع أن ينجزها دون توقف، وبمدى قدرته على البقاء في دائرة الحركة المستمرة حتى لو كان ذلك على حساب راحته النفسية وطمأنينته الداخلية.

في هذا السياق بدأ يظهر نوع غريب من النجاح، نجاح لامع من الخارج لكنه مُرهق من الداخل، نجاح يبدو فيه صاحبه وكأنه يعيش حياة مليئة بالفرص والإنجازات، بينما هو في العمق يعيش ضغطًا مستمرًا لا ينتهي، وتفكيرًا لا يتوقف، وشعورًا دائمًا بأن عليه أن يفعل المزيد وإلا سيتراجع أو يُنسى أو يُستبدل. هذا النوع من النجاح لا يعطي صاحبه وقتًا ليشعر بما حققه فعلاً، لأن خط النهاية يتحرك دائمًا إلى الأمام، وكلما وصل إلى هدف، ظهر هدف آخر أكبر منه وأكثر تعقيدًا.

وفي العمق نفسه، يظهر عنصر آخر لا يقل تأثيرًا عن النجاح نفسه، وهو المال، كقوة نفسية واجتماعية تعيد تشكيل قرارات الإنسان وسلوكه وطموحه وحتى أخلاقه في بعض اللحظات. حب المال ليس ظاهرة جديدة، لكنه اليوم أصبح أكثر تعقيدًا، لأن المال لم يعد مجرد وسيلة للعيش، بل أصبح رمزًا للقوة والحرية والنجاح الاجتماعي، وأحيانًا معيارًا غير مباشر لتقدير الإنسان داخل مجتمعه.

في هذا التداخل بين النجاح والمال، تبدأ سيكولوجية الإنسان في التشكل بشكل حساس جدًا، لأن الدافع نحو التقدم يصبح مختلطًا بين الحاجة الطبيعية والطموح المشروع، وبين الخوف من الفقر والرغبة في التفوق الاجتماعي. في العمق النفسي، يرتبط حب المال بشعور بالأمان، فالإنسان يخاف من المستقبل، من الحاجة، من الانكسار، فيسعى إلى امتلاك المزيد، ليس فقط لأنه يحتاج، ولكن لأنه يريد أن يطمئن. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السعي إلى هوس لا يتوقف، حيث يصبح المال هدفًا بحد ذاته، وليس وسيلة.

هنا تظهر المناطق الرمادية في السلوك الإنساني، حيث يبدأ الخلط بين الحلال والحرام، بين الجهد المشروع والطرق المختصرة، بين العمل الحقيقي والممارسات التي تتجاوز الحدود الأخلاقية أو القانونية. بعض الأشخاص قد ينزلقون إلى القمار والميسر والرهانات تحت وهم الربح السريع أو اختبار الحظ، لكن نفسيًا الأمر أعمق من مجرد لعبة، إنه شعور زائف بالسيطرة، يعقبه فقدان تدريجي للسيطرة الحقيقية، لأن دورة القمار تقوم على الأمل المتكرر في التعويض، وعلى الدخول في حلقة خسارة تدفع إلى محاولة جديدة، ثم خسارة أكبر، ثم محاولة أعنف.

وفي مستوى آخر، تظهر ممارسات أكثر هدوءًا لكنها لا تقل خطورة، مثل التلاعب في الفواتير، أو الغش الضريبي، أو التحايل في المعاملات، أو استغلال الثغرات القانونية. هذه السلوكيات لا تأتي فجأة، بل تنشأ من تراكم نفسي مرتبط بفكرة أن “النجاح المالي يجب أن يكون سريعًا”، وأن أي طريق أطول هو غير مجدٍ أو غير كافٍ. ومع الوقت، يبدأ الإنسان في تبرير هذه الأفعال داخليًا، فتتغير نظرته إلى الصواب والخطأ، ويصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مقبولًا اليوم تحت ضغط الواقع أو المنافسة.

أما القروض فهي وجه آخر من نفس العلاقة المعقدة مع المال، فهي ليست مشكلة في ذاتها، بل أداة يمكن أن تساعد على البناء والاستثمار وتحسين الحياة، لكنها تتحول إلى عبء عندما تدخل في نمط استهلاكي أو اجتماعي غير متوازن. بعض الناس لا يقترضون فقط للحاجة، بل للحفاظ على صورة اجتماعية معينة، أو لمواكبة مستوى معيشي أعلى من قدرتهم الحقيقية، وهنا يبدأ القرض في التحول من حل إلى قيد، ومن فرصة إلى ضغط دائم يرافق الإنسان في كل تفاصيل حياته.

ما يجمع بين هذه الظواهر كلها، من القمار إلى الغش إلى القروض، هو عنصر نفسي واحد: العلاقة غير المتوازنة مع فكرة السرعة. الإنسان يريد نتائج فورية في عالم يحتاج إلى وقت وتراكم وصبر. وعندما يحدث هذا التصادم بين الرغبة في السرعة وبطء الواقع، يبدأ البحث عن طرق مختصرة، بعضها مشروع وبعضها يتجاوز الحدود.

وفي نفس الوقت الذي يركض فيه الإنسان خلف المال والنجاح، يبدأ شيء آخر في الانسحاب بصمت، وهو التوازن الداخلي. لأن النجاح عندما يُفهم كسباق مستمر، يتحول إلى عبء نفسي، والمال عندما يُفهم كغاية مطلقة، يتحول إلى مصدر قلق دائم، والحياة عندما تُقاس فقط بالإنجازات، تفقد جزءًا كبيرًا من معناها الإنساني البسيط.

أصبحت ألاحظ أن الكثير من الناس يعيشون اليوم انفصالًا واضحًا بين صورتهم الخارجية وحالتهم الداخلية، فهم ناجحون من الخارج، لكنهم مرهقون من الداخل، يمتلكون الكثير لكنهم يشعرون بنقص دائم، يتحركون باستمرار لكنهم لا يشعرون بالاستقرار. هذا الانفصال هو أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان، لأنه يجعل الحياة تبدو ناجحة شكليًا لكنها فارغة شعوريًا.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى، الإنسان يحقق ما كان يظنه سعادة، لكنه لا يشعر بها، يصل إلى أهدافه، لكنه يكون قد انتقل نفسيًا إلى أهداف أخرى قبل أن يعيش لحظة الوصول. وكأن العقل مدمن على المستقبل، غير قادر على التوقف في الحاضر، وهذا ما يجعل الناجح يشعر أحيانًا أنه لم يصل رغم أنه وصل بالفعل.

في النهاية، المشكلة ليست في النجاح ولا في المال، بل في الطريقة التي يُفهمان بها. النجاح الحقيقي ليس ذلك الذي يستهلك الإنسان حتى يفقد توازنه، بل ذلك الذي يترك له مساحة للحياة والهدوء والتفكير. والمال الحقيقي ليس الذي يُجمع بأي وسيلة، بل الذي يُبنى على توازن بين الجهد والقيمة والضمير.

الإنسان ليس آلة إنتاج، ولا رقمًا في نظام اقتصادي، بل كائن يحتاج إلى معنى بقدر ما يحتاج إلى دخل، وإلى راحة بقدر ما يحتاج إلى طموح، وإلى صمت بقدر ما يحتاج إلى حركة. وكل اختلال في هذا التوازن لا يظهر فورًا، لكنه يتراكم بصمت حتى يتحول إلى إرهاق داخلي لا يُرى بسهولة.

ربما حان الوقت لإعادة التفكير في معنى النجاح نفسه، ليس من زاوية ما نملكه، بل من زاوية ما نشعر به، وليس من زاوية ما نحققه أمام الآخرين، بل من زاوية ما نحتفظ به داخلنا من سلام وطمأنينة. لأن النجاح الذي لا يترك لصاحبه لحظة هدوء، هو في النهاية نجاح ناقص مهما بدا كبيرًا من الخارج وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: ماذا حققت؟ بل: ماذا خسرت أثناء الطريق؟

التعليقات مغلقة.