أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين تتحول منصات التواصل إلى ساحات اتهام… من يحمي قرينة البراءة وهيبة العدالة؟

بقلم: الأستاذ الإعلامي المتخصص محمد بن علي الحشلافي

أثار شريط فيديو مباشر، بث عبر صفحة على موقع “فيسبوك”، موجة واسعة من التساؤلات القانونية، بعدما تضمن مزاعم واتهامات تتعلق بملف قيل إنه معروض أمام السيد نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بفاس، مع الخوض في معطيات تخص أشخاصا وأفرادًا من أسرهم، دون صدور أي بلاغ رسمي يؤكد صحة ما تم تداوله.
وتكتسي هذه الواقعة أهمية بالغة، ليس فقط بسبب خطورة الاتهامات المتداولة، بل لأن الأمر يتعلق – وفق المعطيات المنشورة – بقضية لا تزال في مرحلة البحث أو الإجراءات القضائية الأولية.

ومن المبادئ الراسخة في المنظومة القانونية المغربية أن مرحلة البحث التمهيدي والتحقيق تخضع للسرية، حمايةً لحسن سير العدالة، وصونًا لقرينة البراءة، وحفاظا على حقوق جميع الأطراف.

أما المناقشة العلنية للقضايا فتكون، كأصل عام، أمام المحكمة ووفق الضمانات التي يكفلها القانون.
إن نشر معطيات أو ادعاءات حول ملفات رائجة، أو تقديمها للرأي العام على أنها حقائق ثابتة قبل صدور أحكام قضائية نهائية، يثير نقاشًا قانونيًا حول مدى احترام التشريعات المغربية المنظمة للنشر وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية.
وفي هذا الإطار، يتضمن القانون الجنائي مقتضيات تجرم بعض الأفعال المرتبطة بنشر المعطيات الخاصة أو الادعاءات الكاذبة متى توافرت أركانها القانونية، كما ينظم القانون رقم 09.08 حماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ويضع ضوابط دقيقة لجمع واستعمال ونشر البيانات الشخصية، مع منح المتضررين حقوقًا في الولوج إلى معطياتهم وتصحيحها والاعتراض على استعمالها، ويقرر عقوبات في الحالات التي يثبت فيها خرق القانون وفق ما تقرره الجهات القضائية المختصة.
كما تضطلع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) بدور أساسي في مراقبة احترام مقتضيات القانون 09.08، واستقبال الشكايات، والقيام بعمليات المراقبة، وإحالة الملفات، عند الاقتضاء، على النيابة العامة. وتمتاز المساطر أمام اللجنة بالسرية، شأنها شأن العديد من الإجراءات السابقة على المحاكمة، بينما تبقى الجلسات القضائية علنية كأصل عام، ما لم يقرر القضاء خلاف ذلك حمايةً لمعطيات أو مصالح يحميها القانون.
إن المسؤولية في الفضاء الرقمي لا تقل أهمية عن المسؤولية في وسائل الإعلام التقليدية، فحرية التعبير حق دستوري، لكنها تقف عند حدود احترام القانون، وكرامة الأشخاص، وقرينة البراءة، وعدم التأثير على سير العدالة.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبرز الحاجة إلى التمييز بين حرية النشر والفوضى الرقمية، وبين النقد المشروع وتوجيه الاتهامات دون سند قانوني. فالمجتمع لا يحميه تداول الإشاعات، وإنما يحميه الاحتكام إلى المؤسسات، واحترام سرية الأبحاث، وترك الكلمة الأخيرة للقضاء، باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها الفصل في الوقائع وتحديد المسؤوليات.
إن صون هيبة العدالة وحماية الحقوق والحريات مسؤولية مشتركة، تبدأ من احترام القانون، وتنتهي بالامتناع عن نشر أو تداول معطيات غير مؤكدة قد تمس بالأفراد أو تؤثر في مجرى القضايا المعروضة أمام القضاء، حتى يبقى ميزان العدالة قائمًا على الدليل والقانون، لا على الادعاءات أو المحاكمات التي تُجرى عبر منصات التواصل الاجتماعي.

التعليقات مغلقة.