حينما يتحول مقال سخافية بمراكش إلى منصة للاتهام… من يحمي قرينة البراءة وهيبة العدالة؟
بقلم: الأستاذ الإعلامي المتخصص محمد بن علي الحشلافي
أثار مقال سخافي منشور بإحدى المواقع بمراكش ا موجة من التساؤلات القانونية والإعلامية، بعدما تضمن مزاعم واتهامات مرتبطة بملف قيل إنه معروض أمام السيد نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بفاس، مع الخوض في معطيات تخص أشخاصًا وأفرادًا من أسرهم، دون صدور أي قرار أو حكم قضائي يؤكد صحة ما ورد في المقال أو يثبت المسؤوليات المنسوبة إلى أي طرف.
وتكتسي هذه الواقعة أهمية خاصة، لأن الأمر يتعلق – بحسب ما تم تداوله – بقضية لا تزال في مرحلة البحث أو الإجراءات القضائية الأولية، وهي مرحلة يحيطها القانون المغربي بضمانات دقيقة، في مقدمتها سرية الأبحاث، حمايةً لحسن سير العدالة، وصونًا لقرينة البراءة، واحترامًا لحقوق جميع الأطراف. كما أن مناقشة الوقائع وتقييم الأدلة وإسناد المسؤوليات يظل اختصاصًا أصيلًا للسلطة القضائية، وليس للرأي العام أو وسائل النشر.
ويعد مبدأ قرينة البراءة من أهم المبادئ التي كرسها الدستور المغربي والمواثيق الدولية، إذ يظل كل شخص بريئًا إلى أن تثبت إدانته بمقتضى حكم قضائي نهائي صادر عن جهة قضائية مختصة. ومن ثم، فإن نشر اتهامات أو تقديم ادعاءات على أنها حقائق ثابتة قبل صدور أحكام قضائية قد يثير مسؤولية قانونية، متى توفرت شروطها التي يحددها القانون.
كما أن التشريع المغربي ينظم بدقة مسألة حماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، من خلال القانون رقم 09.08، الذي يضع ضوابط لجمع واستعمال ونشر البيانات الشخصية، ويمنح المتضررين وسائل قانونية لحماية حقوقهم، إلى جانب الدور الذي تضطلع به اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في مراقبة احترام هذه المقتضيات.
ولا تقل المسؤولية في الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي أهمية عن المسؤولية في وسائل الإعلام التقليدية. فحرية التعبير والنشر حق دستوري مكفول، لكنها ليست حقًا مطلقًا، بل تمارس في إطار احترام القانون، وصيانة كرامة الأشخاص، وعدم المساس بالحياة الخاصة، وتجنب التأثير على سير العدالة أو إصدار أحكام مسبقة في قضايا لا تزال معروضة أمام القضاء.
كما تفرض أخلاقيات المهنة على الصحفي والإعلامي التحري والتثبت من المعلومات قبل نشرها، واحترام حق الرد والتعقيب، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الوقائع الثابتة والادعاءات التي لم تحسم فيها الجهات القضائية المختصة. فالإعلام المهني يسهم في ترسيخ الثقة داخل المجتمع، بينما يؤدي نشر معلومات غير مؤكدة أو اتهامات غير مدعومة بأدلة إلى الإضرار بالأفراد وبمصداقية العمل الصحفي.
إن صون هيبة العدالة مسؤولية جماعية، تبدأ باحترام سرية الأبحاث، والامتناع عن نشر ما من شأنه التأثير في مجرى القضايا أو التشهير بالأشخاص قبل صدور الأحكام القضائية. ويبقى القضاء وحده الجهة المخول لها قانونًا الفصل في الوقائع، وتقدير الأدلة، وتحديد المسؤوليات، بعيدًا عن المحاكمات الإعلامية أو الأحكام المسبقة التي قد تنتشر عبر المنصات الرقمية.
وفي ظل التطور المتسارع للإعلام الرقمي، تزداد الحاجة إلى ترسيخ ثقافة قانونية وإعلامية قوامها احترام قرينة البراءة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والتوازن بين حرية التعبير وحقوق الأفراد، حتى يظل الإعلام شريكًا في إرساء دولة الحق والقانون، لا وسيلة لإصدار الأحكام خارج أسوار العدالة.

التعليقات مغلقة.