يشهد قطاع الإعلام مرحلة جديدة من التحولات المتسارعة، بعدما انتقل الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة في إنتاج المحتوى وتلخيص الأخبار إلى قوة مؤثرة في طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصحفية والجمهور، وفي نماذج العمل ومصادر الإيرادات داخل غرف الأخبار.
وتأتي هذه التحولات في وقت لا يزال فيه الإعلام التقليدي والرقمي يواجه تداعيات أكثر من عقدين من التغيير الذي فرضه الانتقال إلى البيئة الرقمية، وما رافقه من تراجع الصحافة الورقية وانكماش عائدات الإعلانات وتحول الجمهور نحو المنصات الرقمية.
من أبرز التحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي توسع محركات البحث في تقديم إجابات وملخصات جاهزة للمستخدمين، بدل الاكتفاء بعرض روابط المواقع الأصلية.
وفي فرنسا، أثار إطلاق خدمة «نظرات عامة بالذكاء الاصطناعي» التابعة لغوغل نقاشا واسعا، بعدما أصبح بإمكان المستخدم الحصول على خلاصة للمعلومة دون الحاجة بالضرورة إلى زيارة المصدر الصحفي. وتشير دراسة لمركز «بيو» للأبحاث إلى أن نسبة النقر على الروابط الأصلية لا تتجاوز 8 في المائة عندما تظهر هذه الملخصات، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الزيارات التي تعتمد عليها مؤسسات إعلامية عديدة لتحقيق عائدات الإعلانات الرقمية.
وتعزز بيانات شركة «تشارتبيت» هذه المخاوف، بعدما أظهرت تراجع الزيارات القادمة من البحث العضوي في غوغل إلى أكثر من 2500 موقع بنسبة 33 في المائة عالميا بين نونبر 2024 ونونبر 2025، فيما بلغ التراجع 38 في المائة في الولايات المتحدة.
وبحسب معطيات معهد «رويترز» لدراسة الصحافة، لا يمكن إرجاع هذا الانخفاض بالكامل إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، في ظل التغييرات المستمرة في خوارزميات محركات البحث، إلا أن الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت عاملا رئيسيا في إعادة تشكيل حركة الجمهور نحو المواقع الإخبارية.
لم تبدأ أزمة المؤسسات الإعلامية مع الذكاء الاصطناعي، بل سبقتها سنوات من التحولات العميقة التي فرضها الانتقال الرقمي.
ففي فرنسا، انخفض توزيع الصحف من نحو 3.7 مليارات نسخة سنة 2016 إلى 2.6 مليار نسخة سنة 2025، بينما تراجع توزيع المجلات من 1.36 مليار إلى نحو 899 مليون نسخة خلال الفترة نفسها، وفق أرقام تحالف الصحافة والإعلام.
وتعكس هذه الأرقام تغيرا جوهريا في عادات الجمهور وطرق استهلاك الأخبار، في وقت باتت فيه المنصات الرقمية ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي والروبوتات الحوارية تلعب دورا متزايدا في الوصول إلى المعلومات.
ويشير تقرير معهد «رويترز» لدراسة الصحافة لعام 2026 إلى أن الاستخدام الأسبوعي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ارتفع في ستة أسواق من 18 في المائة سنة 2024 إلى 34 في المائة سنة 2025، فيما بدأ استخدام روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار والمعلومات يترسخ تدريجيا.
وهكذا، أصبح جزء من الجمهور قادرا على الوصول إلى إجابات مباشرة دون المرور بالصفحة الرئيسية للمؤسسة الإعلامية أو زيارة موقعها الإلكتروني.
لم تقتصر التحولات على طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار، بل امتدت أيضا إلى طريقة إنتاجها.
فعدد متزايد من المؤسسات الإعلامية بدأ في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص، والترجمة، وإعداد العناوين، والتدقيق اللغوي، والمساعدة في عمليات الإنتاج والمونتاج، بالتوازي مع ظهور وظائف جديدة ترتبط بالإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراقبة مخرجاتها.
غير أن هذا التحول يفرض في المقابل تحديات مرتبطة بسوق العمل، في ظل خطط إعادة الهيكلة وتقليص الوظائف داخل بعض المؤسسات الإعلامية، وما يثيره ذلك من نقاش حول مستقبل المهن الصحفية وحدود الاعتماد على الآلات في إنتاج المحتوى.
لا يرتبط الجدل حول الذكاء الاصطناعي بالوظائف والإيرادات فقط، وإنما يمتد إلى جوهر العمل الصحفي، أي جودة المعلومة وثقة الجمهور.
فالملخصات التي تنتجها الأنظمة الآلية يمكن أن تخلط أحيانا بين الوقائع والتفسيرات أو تقدم معلومات غير دقيقة، فيما يزيد انتشار المحتوى المصطنع ومقاطع التزييف العميق من صعوبة التحقق من حقيقة المواد المتداولة على المنصات الرقمية.
وفي هذا السياق، تصبح مهمة الصحفي أكثر أهمية، باعتباره مسؤولا عن التحقق من المعلومات، ومقارنة المصادر، وفهم السياق، والتمييز بين الخبر والرأي، ومساءلة الجهات المعنية.
من جهة أخرى، تواجه المؤسسات الإعلامية تحديا متزايدا يتعلق بحقوق استخدام المحتوى الصحفي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو تقديم إجابات للمستخدمين.
وقد بدأت مؤسسات صحفية ووكالات أنباء عالمية في إبرام اتفاقيات مع شركات الذكاء الاصطناعي مقابل استخدام موادها، إلا أن هذه الاتفاقيات لم تضع حدا للنقاش حول القيمة الحقيقية للمحتوى الصحفي، وحول المقابل العادل الذي ينبغي أن تحصل عليه المؤسسات المنتجة لهذا المحتوى.
وفي فرنسا، تصاعدت الضغوط على غوغل بسبب المخاوف المرتبطة بتأثير ملخصات الذكاء الاصطناعي في حركة الزيارات إلى المواقع الصحفية، وسط مطالب باتخاذ إجراءات تنظيمية لحماية المؤسسات الإعلامية وضمان حقوقها.
تكشف هذه التطورات أن المعركة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على حقوق النشر أو التعويضات المالية، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل نموذج الصحافة ذاته.
فالمؤسسات التي اعتادت الاعتماد على محركات البحث لاستقطاب الجمهور تجد نفسها أمام وسيط جديد يقدم المعلومة مباشرة إلى المستخدم، ما يفرض عليها البحث عن وسائل أخرى لبناء علاقة مباشرة ومستدامة مع القراء.
ومن أبرز هذه الوسائل تعزيز المحتوى الأصلي والتحليل المتخصص والتحقق المهني والخدمات الإعلامية التي يصعب اختزالها في ملخص آلي، إلى جانب الاستثمار في الهوية التحريرية والثقة باعتبارهما من أهم الأصول التي يمكن للمؤسسة الإعلامية امتلاكها.
وبينما تؤكد بيانات «تشارتبيت» أن الزيارات لا تختفي بالكامل وإنما تنتقل تدريجيا إلى قنوات أخرى، يبدو أن المرحلة المقبلة ستفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في طرق إنتاج المحتوى وتوزيعه وتمويله.
وفي خضم هذا التحول، لن يكون الرهان الحقيقي هو منافسة الآلة في السرعة، وإنما الحفاظ على القيمة التي تمنحها الصحافة المهنية للمعلومة: التحقق، والدقة، والسياق، والتحليل، والمساءلة. وهي عناصر تجعل الصحفي، رغم التحولات التكنولوجية المتسارعة، حلقة أساسية في بناء الثقة ومواجهة فوضى المعلومات التي قد يضاعف الذكاء الاصطناعي من حجمها وتأثيرها.

التعليقات مغلقة.