أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قرطاج في الستيين مجد الماضي واسئلة الراهن الثقافي

"جريدة أصوات" متابعة "سلوى الجيلاني بوعلي"

تأتي الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي في سياق رمزي مهم إذ مثلت مناسبة للاحتفال بستة عقود من العمل الثقافي الفني وقد انتظم المهرجان من 16 جويلية إلى 19 أوت 2026 بالمسرح الأثري بقرطاج بميزانية معلنة قدرها 3.5 ملايين دينار وبرنامج يضم 20 سهرة .

أولا: الاختيارات الفنية

اختارت إدارة المهرجان أن تجعل الموسيقى محور الدورة بصورة شبه كاملة؛ فقد ضم البرنامج 19 حفلا موسيقيا وعرضا مسرحيا واحدا فقط أي إن الموسيقى مثلت 95% من البرمجة.
كما خصصت 65% من العروض للمشهد العربي والتونسي مقابل 35% لعروض دولية من بريطانيا وبنين وإسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة .

وشارك في الدورة فنانون تونسيون وعرب ودوليون من بينهم صابر الرباعي في الافتتاح والشاب خالد و The Jacksons وأنجليك كيدجو و سامي يوسف وميادة الحناوي وتامر عاشور وإليسا وأمينة فاخت وماجدة من الرومي في الاختتام.
كما حضرت الأوركسترا السمفونية التونسية والعروض التراثية وسهرة للفولكلور العالمي وحفل خيري لفائدة مرضى السرطان.

التقييم الأولي
الحضور التونسي قوي من خلال أسماء جماهيرية وعروض تراثية وسمفونية
الحضور العربي كان واسعا خاصة من لبنان ومصر وسوريا والجزائر
الانفتاح الدولي أفضل من السنوات السابقة وفقا لبرمجة هاته الدورة بنسبة 35% من العروض .
المسرح والفنون غير الموسيقية ضعيف جدا بسبب الاكتفاء بإنتاج مسرحي واحد ( القرهمانة المخبل في كبٓة للمسرحي التونسي الفنان معز التومي ).
البعد الاجتماعي حاضر من خلال الحفل الخيري وبعض السهرات الوطنية والنسائية .

ثانيا: عناصر النجاح

أبرز نجاح في هذه الدورة هو *القدرة على استثمار الذكرى الستين* في برنامج ذي أسماء معروفة وهو ما يمنح المهرجان جاذبية جماهيرية وإعلامية كما أن الجمع بين الفنان التونسي والعربي والدولي حافظ على مكانة قرطاج باعتباره مهرجانا يتجاوز الحفل الغنائي العادي ويرتبط بصورة تونس الثقافية والسياحية .

ويُحسب للدورة أيضا توسيع الانفتاح على موسيقى العالم، من خلال أنجليك كيدجو والباليه الإسباني وروندو فينيزيانو والفولكلورات المتعددة فهذا التنوع يمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى تجارب فنية مختلفة ويُخرج المهرجان من الاقتصار على الأغنية العربية التجارية.

كما أن حضور الأوركسترا السمفونية التونسية والعروض التراثية يعبّر عن رغبة في ربط المهرجان بالذاكرة الموسيقية الوطنية وليس فقط باستقدام النجوم.
أما الحفل الخيري فيمنح البرنامج بعدا تضامنيا مهما شرط أن تنشر لاحقا معطيات واضحة حول مداخيله والجهة المستفيدة منه.  

 

ثالثا: مواطن الضعف والإخفاقات

أول ملاحظة تتعلق *بهيمنة الموسيقى على حساب بقية الفنون*.

فمهرجان بحجم قرطاج كان يمكن أن يخصص مساحة أكبر للمسرح والرقص والفنون الأدائية والمشاريع الشبابية إن برمجة عرض مسرحي واحد فقط تجعل الدورة أقرب إلى موسم حفلات كبرى منها إلى مهرجان متعدد الفنون.

الملاحظة الثانية هي استمرار إدارة المهرجان للسنة الثانية على التوالي دون مدير مُعيّن وفق ما أوردته وكالة تونس إفريقيا للأنباء
وهذا يطرح سؤالا حول الحوكمة والاستمرارية والمسؤولية الفنية فالمهرجان يحتاج إلى رؤية واضحة تمتد لسنوات وإلى إدارة مستقرة قادرة على التفاوض المبكر مع الفنانين و ضبط الميزانية وتقييم النتائج.

أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالنفاذ الاجتماعي فقد تراوحت الأسعار المعلنة بين 30 و100 دينار للمدارج وبين 80 و150 دينارا للكراسي.


وقد تكون هذه الأسعار مفهومة بالنسبة إلى بعض العروض الدولية والنجوم لكنها قد تجعل المهرجان بعيدا عن فئات واسعة من الجمهور خصوصا في ظل تراجع القدرة الشرائية.
لذلك كان من الأفضل توسيع العروض منخفضة السعر أو تنظيم حفلات موازية مجانية أو رمزية في الجهات.

 

كما تظل الشفافية نقطة تحتاج إلى تحسين.

فالمعلومات المنشورة تقدم البرنامج والميزانية والأسعار، لكن لا تبدو متاحة في المصادر المفتوحة التي تمت مراجعتها حصيلة مستقلة ومفصلة حول عدد التذاكر المباعة، ونسبة الحضور في كل سهرة والمداخيل والكلفة الحقيقية لكل عرض والحوادث التنظيمية أو شكاوى الجمهور.
. ولا يجوز اعتبار غياب هذه البيانات دليلا على فشل لكنه يمثل نقصا في التقييم العمومي.

يمكن اعتبار دورة 2026 *ناجحة جماهيريا ورمزيا بدرجة أولى* بفضل قوة الأسماء المشاركة والاحتفال بالستينية وتحسن الحضور الدولي مع حضور محترم للفنانين التونسيين.
لكنها أقل نجاحاً على مستوى التنوع الفني والحوكمة والعدالة الثقافية ” إذ غلب منطق النجومية على بناء برنامج متوازن وظل المسرح والفنون الأخرى في موقع ثانوي كما أن غياب مدير معيّن للسنة الثانية يبعث على التساؤل حول الإدارة الاستراتيجية.

تتمثل الأولوية في نشر تقرير مالي وفني سنوي يتضمن الحضور والمداخيل والنفقات وتقييم الجمهور كما ينبغي إقرار إدارة فنية مستقرة وتخصيص نسبة واضحة للمسرح والرقص والفنون الجديدة، وإدماج الفنانين الشباب والجهات الداخلية ووضع سياسة أسعار أكثر عدلا.
وبذلك يمكن لقرطاج أن يحافظ على بريقه الجماهيري، من دون أن يتحول إلى مجرد سلسلة من الحفلات المكلفة.

مهرجان قرطاج لا يحتاج فقط إلى أسماء كبيرة تملأ المدرجات بل يحتاج أيضا إلى مشروع ثقافي يملأ الذاكرة ويمنح الفنانين الشباب والجهات والجمهور محدود الدخل مكاناً حقيقياً داخله..

التعليقات مغلقة.