أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الانتخابات المغربية تنتقل من المنصات إلى شاشة الهاتف “الترند”

"جريدة أصوات"

تتحول الحملة الانتخابية في المغرب مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026 بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي بعدما أصبحت منصات مثل Facebook وTikTok وInstagram وYouTube أدوات أساسية للأحزاب والمرشحين للوصول إلى الناخبين خصوصا الشباب عبر الفيديوهات القصيرة والبث المباشر والمحتوى القابل للانتشار.

وتؤكد أرقام الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التي أوردتها وكالة المغرب العربي للأنباء حجم هذا التحول إذ بلغ عدد اشتراكات الإنترنت بالمغرب 41,08 مليون اشتراك إلى نهاية مارس 2026 من بينها 38,1 مليون اشتراك في الإنترنت المتنقل، فيما وصل معدل نفاذ الإنترنت إلى 111,54 في المائة.

ورغم أن هذه الأرقام تعكس عدد الاشتراكات وليس عدد المستخدمين الفريدين، فإنها تكشف اتساع حضور الاتصال الرقمي في الحياة اليومية للمغاربة.

وفي هذا السياق، باتت شبكات التواصل الاجتماعي إحدى أبرز الوسائل التي تراهن عليها الأحزاب والمرشحون للتعريف بالبرامج الانتخابية وتقديم المرشحين والتواصل مع هيئة ناخبة أصبحت أكثر ارتباطا بالهاتف والشاشات، وهو ما يطرح سؤالا جديدا حول المنصة الأكثر تأثيرا في الاستحقاقات المقبلة، بين Facebook الذي راكم حضورا سياسيا واسعا وTikTok الذي فرض نمطا جديدا في استهلاك المحتوى.

 

ويحتفظ Facebook بموقع مهم داخل الحملات الانتخابية، بالنظر إلى تنوع أدواته، إذ يتيح للمرشحين والأحزاب إنشاء الصفحات وتدبير المجموعات المحلية، ونشر البيانات والصور والفيديوهات إلى جانب تنظيم البث المباشر والتواصل المستمر مع المتابعين. كما يسمح هذا الفضاء بتحويل الأنشطة الميدانية إلى محتوى رقمي قابل للمشاركة وإعادة التداول، خصوصا على المستوى المحلي.

ومن جهة أخرى تمنح منظومة Meta للحملات السياسية إمكانية الاستفادة من أدوات مخصصة للشفافية، من بينها مكتبة الإعلانات التي تتيح البحث في الإعلانات المرتبطة بالقضايا الاجتماعية والانتخابات والسياسة والاطلاع على بعض المعطيات المتعلقة بالجهة المعلنة والمحتوى الذي جرى الترويج له وفق البيانات التي توفرها المنصة.

 

أما TikTok فيقدم نموذجا مختلفا إذ يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الفيديو القصير على جذب الانتباه داخل تدفق متواصل من المحتوى. وفي هذا النموذج لا يحتاج المرشح بالضرورة إلى قاعدة ضخمة من المتابعين حتى يصل أحد مقاطعه إلى جمهور واسع ما دامت الخوارزمية قادرة على دفع المحتوى نحو مستخدمين جدد.

وبذلك أصبحت الثواني الأولى من الفيديو أكثر أهمية، وأصبح المرشح مطالبا بتحويل فكرة سياسية أو مقترح انتخابي إلى رسالة مختصرة قادرة على جذب المشاهد بسرعة. غير أن هذا النمط يفرض في المقابل تحديا يتمثل في إمكانية اختزال قضايا معقدة، مثل التشغيل أو إصلاح التقاعد أو السياسة المائية، في رسائل قصيرة قد لا تسمح دائما بشرح تفاصيل التنفيذ.

وفي السياق ذاته يختلف TikTok عن Facebook في مسألة الإعلانات السياسية، إذ تحظر المنصة الإعلانات السياسية المدفوعة كما تفرض قيودا على الحسابات السياسية في ما يتعلق بعدد من أدوات الإعلان وتحقيق الدخل. وبالتالي، تصبح القدرة على صناعة محتوى عضوي جذاب وقابل للمشاركة عاملاً أكثر أهمية في الوصول إلى الجمهور.

غير أن ارتفاع عدد المشاهدات لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الأصوات. ففيديو انتخابي يحصد مليون مشاهدة قد يصل إلى أشخاص خارج الدائرة الانتخابية المعنية أو إلى مستخدمين يتابعونه بدافع الفضول أو السخرية أو الجدل، كما أن الإعجابات والتعليقات لا تكشف بشكل مباشر عن نية التصويت.

ومن هنا يبرز الفرق بين الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه وبين القدرة على تحويل هذا التفاعل إلى موقف انتخابي فعلي، وهي الحلقة الأصعب في قياس نجاح الحملات الرقمية.

كما تطرح الخوارزميات مفارقة جغرافية خلال الانتخابات التشريعية، فقد يتحول مرشح في دائرة بفاس مثلا إلى شخصية معروفة لدى مستخدمين في الدار البيضاء أو طنجة أو حتى خارج المغرب، بسبب انتشار أحد فيديوهاته، بينما يظل تأثير هذا الانتشار محدوداً داخل الدائرة التي يحتاج فيها فعلياً إلى أصوات الناخبين.

 

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الحضور الرقمي يمكن أن يحل محل العمل الميداني، إذ تظل اللقاءات المباشرة والهياكل المحلية والتنظيم الحزبي والتواصل مع سكان الدائرة عناصر أساسية في الحملات الانتخابية، بينما يعمل المحتوى الرقمي كأداة موازية لتوسيع نطاق الرسالة والوصول إلى فئات جديدة.

وتفرض منصات الفيديو القصير، مثل TikTok وReels وShorts أيضا لغة جديدة في التواصل السياسي تقوم على التصوير العمودي والمونتاج السريع والعناوين المكتوبة فوق الفيديو والأسئلة المباشرة واللغة القريبة من الاستخدام اليومي. وهكذا يجد المرشح نفسه في منافسة ليس فقط مع خصومه السياسيين، وإنما أيضاً مع المحتوى الرياضي والترفيهي والموسيقى والأخبار وسائر ما يظهر على شاشة المستخدم.

ومن جهة أخرى، قد يصبح السياسي أقرب إلى صانع محتوى، بحيث لا تكون أفضلية المرشح مرتبطة فقط بطول برنامجه الانتخابي، وإنما بقدرته على شرح فكرة معقدة في قالب بسيط ومفهوم من دون تحريف مضمونها. وفي المقابل، يحمل هذا التحول خطر تحويل السياسة إلى سباق على «الترند»، حيث قد تتفوق لقطة مثيرة للجدل على برنامج انتخابي متكامل أو التزام قابل للقياس.

 

وتبرز البيانات أيضا كعنصر حاسم في الحملات الرقمية، إذ أصبح تحديد الفئات المستهدفة والموضوعات التي تهمها والتوقيت والمنصة المناسبة جزءاً من عملية التواصل السياسي الحديثة. فالمرشح يستطيع مخاطبة فئات مختلفة برسائل متباينة، سواء تعلق الأمر بالشباب الباحثين عن فرص العمل أو الأسر أو التجار أو سكان المناطق التي تعاني خصاصاً في النقل والخدمات الصحية.

وفي هذا الإطار، تكتسب الشفافية في الإعلانات السياسية أهمية متزايدة، خصوصاً مع إمكانية الاستفادة من الأدوات التي توفرها Meta لتتبع جزء من الإعلانات السياسية والانتخابية المؤرشفة، بما يسمح للصحفيين والباحثين والمجتمع المدني بمراقبة جانب من النشاط الإعلاني الرقمي.

وبناءً على ذلك، لا تبدو المقارنة بين Facebook و TikTok محسومة لصالح منصة واحدة، إذ يمتلك كل منهما نقاط قوة مختلفة. فـ Facebook يوفر الصفحات والمجموعات والبث المباشر والمحتوى المطول وأدوات الإعلان، بينما يمنح TikTok الفيديو القصير فرصة واسعة للانتشار ويجعل نجاح المحتوى مرتبطا بدرجة أكبر بقدرته على جذب المستخدم والتفاعل معه.

ولا تتوقف المعركة الرقمية عند الانتشار والتفاعل، بل تمتد أيضا إلى مواجهة الأخبار الزائفة والمحتوى المولد أو المعدل بالذكاء الاصطناعي. وقد خصصت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ضمن قرارها المتعلق بالانتخابات التشريعية لسنة 2026، مقتضيات لمواجهة التضليل الانتخابي وحماية حق المواطن في الحصول على معلومة موثوقة، بما في ذلك ضوابط مرتبطة بالمحتوى الانتخابي الذي ينتجه أو يعدله الذكاء الاصطناعي بالنسبة للخدمات السمعية البصرية المشمولة بالقرار.

وفي ظل هذا التحول، أصبح المواطن نفسه جزءا من سلسلة انتشار المحتوى، إذ يمكن لمشاركة صورة أو فيديو أو ادعاء غير موثق أن تمنحه انتشارا واسعا خلال وقت قصير وهو ما يجعل التحقق من المعلومات مسؤولية لا تقتصر على المؤسسات الإعلامية والفاعلين السياسيين.

 

وفي النهاية، قد تمنح شبكات التواصل الاجتماعي مرشحا شهرة واسعة وتتجاوز تصريحاته حدود دائرته الانتخابية خلال ساعات، لكنها لا تلغي عوامل الحضور الميداني والتنظيم المحلي والبرنامج والثقة والحصيلة وطبيعة المنافسة داخل كل دائرة.

ولذلك لن يكون عدد المتابعين أو المشاهدات وحده معيارا للحسم بل سيظل صندوق الاقتراع الاختبار الحقيقي لقدرة الشعبية الرقمية على التحول إلى وزن انتخابي فعلي.

التعليقات مغلقة.