لم يكن موقف روسيا خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم 30 أكتوبر 2026 بشأن قضية الصحراء المغربية مجرد تصويت عابر على مشروع قرار أممي، بل عكس تبايناً دبلوماسياً عميقاً حول طبيعة المقاربة التي ينبغي اعتمادها لمعالجة هذا النزاع، ومستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الكبرى في توجيه المسار السياسي.
ومن الضروري، قبل الخوض في التحليل، تصحيح معطى أساسي: روسيا لم تمتنع عن التصويت على المشروع الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، وإنما صوتت ضده واستخدمت حق النقض لإسقاطه. كما أنها لم تمتنع عن التصويت على مشروعها البديل، بل صوتت لصالحه. وبالتالي، فإن الحديث عن «امتناع روسيا» في هذه الجلسة لا يعكس حقيقة سجل التصويت، وإنما يقتضي التمييز بين الموقف الروسي من المشروع الأمريكي والمقترح الذي تقدمت به موسكو.
وقد حصل المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، مقابل صوت روسي معارض وثلاثة امتناعات، بينما لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأغلبية المطلوبة، بعدما حظي بثلاثة أصوات مؤيدة، وصوت أمريكي معارض، وامتناع أحد عشر عضواً. وهكذا انتهت الجلسة دون اعتماد أي من المشروعين، نتيجة استخدام حق النقض من طرف القوتين الدائمتين.
ومن منظور أكاديمي، يمكن قراءة السلوك الروسي من خلال مفهوم التوازن داخل مجلس الأمن، حيث لا تقتصر حسابات الدول الكبرى على مضمون القرارات المعروضة، بل تشمل أيضاً الجهة التي تقود المبادرة، وطبيعة الصياغة المقترحة، وما قد يترتب عنها من تحولات في إدارة الملفات الدولية. فموسكو لم تكن أمام نص تقني يتعلق فقط بتمديد ولاية بعثة أممية، وإنما أمام مشروع يتضمن توجهاً لإعادة النظر في اسم البعثة وبنيتها ومواردها وطريقة اشتغالها مستقبلاً.
ويبدو أن أحد أبرز دوافع الاعتراض الروسي يرتبط برفضها اعتماد مقاربة ترى أنها تمنح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعاً مركزياً في العملية السياسية، دون أن تكون الصياغة، وفق تصورها، متوازنة بما يكفي مع مبدأ تقرير المصير والمرجعيات الأممية ذات الصلة. وهذا الموقف لا يعني بالضرورة أن موسكو ترفض مناقشة المقترح المغربي، وإنما يعكس اعتراضاً على الطريقة التي جرى بها تقديمه ضمن مشروع القرار الأمريكي، وعلى ما قد ينتج عن ذلك من تأثير في مسار المفاوضات قبل التوصل إلى توافق بين الأطراف المعنية.
ويبرز البعد الثاني في تمسك روسيا باستمرارية بعثة المينورسو في إطارها التقليدي، إذ دافعت عن تمديد ولايتها دون إدخال تغييرات جوهرية على اسمها أو طبيعة مهامها. ويمكن تفسير ذلك باعتباره دفاعاً عن آلية أممية قائمة، وعن ضرورة عدم تحويل عملية مراجعة البعثة إلى مدخل لإعادة صياغة الإطار السياسي للنزاع من طرف واحد.
أما البعد الثالث فيتعلق بالتنافس الدبلوماسي بين موسكو وواشنطن. فمجلس الأمن لا يعمل بمعزل عن العلاقات الدولية، والملفات المطروحة أمامه كثيراً ما تصبح مجالاً لتقاطع المصالح وتباين الرؤى بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الفيتو الروسي باعتباره وسيلة لمنع تمرير مشروع أمريكي لا يتوافق مع تصور موسكو، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة مفادها أن إدارة الملفات الدولية لا يمكن أن تتم وفق رؤية قوة واحدة، حتى وإن كانت صاحبة المبادرة الدبلوماسية.
غير أن موسكو لم تكتفِ برفض المشروع الأمريكي، بل تقدمت بمشروع بديل يقترح تمديد ولاية المينورسو لمدة سنة إضافية، مع الإبقاء على اسمها ومهامها الحالية. ويكشف هذا التحرك أن روسيا كانت تسعى إلى تقديم صيغة مختلفة، لا إلى الاكتفاء بتعطيل المسار الأمريكي. لكن مشروعها لم يحظ بدوره بالدعم الكافي داخل المجلس، وهو ما أظهر محدودية القدرة على بناء توافق دولي حول المقاربة الروسية.
ومن المهم أيضاً عدم الخلط بين معارضة المشروع الأمريكي وبين اتخاذ موقف نهائي من السيادة على الصحراء المغربية. فالتصويت داخل مجلس الأمن على نص معين لا يشكل، في حد ذاته، اعترافاً قانونياً أو نفياً لموقف سيادي، كما أن استخدام الفيتو لا يعني تلقائياً تبني جميع مواقف الطرف الذي يعارضه المشروع. فالتحليل الدقيق يقتضي قراءة التصريحات الرسمية، ومضمون النصوص، وسجل التصويت، والسياق الدبلوماسي الذي أحاط بالجلسة.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التطورات تفرض متابعة دقيقة لمواقف القوى الكبرى، ليس فقط من خلال التصويت النهائي، بل كذلك عبر طبيعة مداخلاتها وملاحظاتها أثناء المفاوضات. فالمواقف داخل مجلس الأمن قد تتغير تبعاً لصياغة المشاريع والضمانات المقدمة، كما أن الامتناع أو التصويت ضد نص معين لا ينبغي تفسيره خارج سياقه السياسي والقانوني.
وفي المحصلة، فإن الفيتو الروسي في ملف الصحراء المغربية يعكس تداخلاً بين الاعتبارات الأممية والحسابات الجيوسياسية، ويؤكد أن الخلاف لم يعد مقتصراً على تمديد ولاية بعثة المينورسو، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل دورها، وبالمرجعية التي ستؤطر العملية السياسية، وبمدى قدرة أعضاء مجلس الأمن على التوصل إلى صيغة تحظى بقبول دولي واسع.
إن الدرس الأبرز من جلسة 30 أكتوبر 2026 هو أن الأغلبية العددية داخل مجلس الأمن، مهما كانت واسعة، لا تكفي وحدها لاعتماد القرارات في ظل نظام حق النقض. كما أن فشل المشروعين الأمريكي والروسي يبرز الحاجة إلى مقاربة دبلوماسية أكثر قدرة على جمع المواقف المتباينة، بعيداً عن منطق المواجهة بين القوى الكبرى.
وبين حسابات موسكو ومبادرة واشنطن، يظل مستقبل المسار الأممي مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية والقوى الدولية للعودة إلى مفاوضات جادة، تضمن احترام المرجعيات الأممية وتفتح الطريق أمام حل سياسي واقعي ودائم ومقبول، دون أن تتحول الخلافات الدولية إلى عائق إضافي أمام تسوية النزاع.
جريدة أصوات تواصل مواكبة التحولات الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، من خلال قراءة المواقف الدولية وتحليل خلفياتها السياسية والقانونية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتفسيرات التي لا تسندها الوقائع.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.