في تجربة فنية تجمع بين الجمال والرمزية والعمق الإنساني، تقدم الفنانتان صفاء الرواس (Safaa Erruas) وغيزلين بورتاليس (Ghislaine Portalis) مقاربتين تشكيليتين مختلفتين، تلتقيان في تسليط الضوء على قضايا المرأة والذاكرة والهشاشة الإنسانية، من خلال أعمال تحول المواد البسيطة إلى وسائط للتعبير عن تجارب ومعانٍ تتجاوز حدود الشكل الظاهري.

وتعتمد الفنانة المغربية صفاء الرواس في أعمالها على الخيوط البيضاء والإبر وتقنيات النسيج، مستحضرة بذلك ممارسات ارتبطت تاريخياً بالمرأة والعمل المنزلي، قبل أن تعيد توظيفها داخل منشآت فنية واسعة تمنح هذه العناصر حضوراً جديداً في الفضاء التشكيلي.

ومن خلال هذه المقاربة، تنقل الرواس الحرف والممارسات النسائية من المجال المنزلي إلى فضاء الفن المعاصر، لتطرح تساؤلات حول قيمة العمل النسائي ومكانته في التاريخ الفني، فضلاً عن العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية وما يظهر للعين وما يظل خفياً في التجربة الإنسانية.
في المقابل، تتناول الفنانة غيزلين بورتاليس مفهوم الرقة باعتباره تجربة تتجاوز المظهر الجمالي الهادئ، لتكشف من خلال أعمالها عن أبعاد نفسية وإنسانية ترتبط بالألم والهشاشة والتجارب الصامتة التي تشكل حياة النساء.
وتوظف بورتاليس تراكم العناصر الفنية وتداخل المنشآت داخل الفضاء الحميمي والمنزلي، محولة إياه إلى مجال للتعبير عن تجارب دقيقة، حيث لا تعني الرقة بالضرورة الطمأنينة، بل قد تخفي وراءها معاناة أو فقداناً أو ذكريات يصعب استرجاعها.
ورغم اختلاف الأساليب والوسائط التعبيرية، تلتقي التجربتان في جعل الفن وسيلة لإعادة الاعتبار للتجارب النسائية، وإبراز جوانب من الذاكرة والعمل والهشاشة ظلت طويلاً بعيدة عن دائرة الاهتمام والاعتراف.
وتؤكد هذه المقاربات أن الفن التشكيلي لا يقتصر على إنتاج صور وأشكال جمالية، بل يمثل فضاءً للتفكير وطرح الأسئلة الإنسانية والاجتماعية، حيث تتحول أبسط المواد إلى حوامل للذاكرة والرمزية، وتصبح الأعمال الفنية دعوة مفتوحة للتأمل في تجارب النساء ومكانتهن داخل المجتمع والتاريخ الفني.

التعليقات مغلقة.