أعاد النقاش حول مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية تسليط الضوء على التحولات العميقة التي تعرفها خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية، بعدما قدم الصحفي الفرنسي والخبير في الشؤون الإفريقية أنطوان غلازر قراءة لافتة بشأن صعود الدور المغربي وتراجع الحاجة إلى الوساطة الفرنسية في عدد من الأسواق الإفريقية.
وفي حوار نشرته صحيفة «فاينانس نيوز هبدو» المغربية يوم السبت 31 أكتوبر 2026، اعتبر أنطوان غلازر، المدير السابق لمجلة «لا لاتر دو كونتينون» والمؤلف المشارك لكتاب «الفخ الإفريقي لماكرون»، أن المغرب أصبح يمتلك من الإمكانيات والعلاقات الاقتصادية ما يسمح له بالتحرك داخل القارة الإفريقية بشكل مباشر، بعيداً عن الاعتماد على الشركاء الفرنسيين. وأوضح المتحدث أن عدداً من الأوساط الاقتصادية الفرنسية كانت تعتقد في السابق أن بوابة التوسع في إفريقيا جنوب الصحراء تمر عبر المغرب، من خلال بناء شراكات مع فاعلين مغاربة، غير أن التجربة أظهرت أن الشركات والمؤسسات المغربية أصبحت قادرة على التحرك باستقلالية، وتوسيع استثماراتها وعلاقاتها التجارية دون الحاجة إلى الوساطة الفرنسية.
وأشار غلازر إلى أن المؤسسات المالية المغربية، وعلى رأسها الفاعلون في القطاع البنكي، نجحت في تعزيز حضورها بالقارة، في سياق تحولات أوسع مست قطاعات اقتصادية متعددة، وهو ما يعكس انتقال المغرب من موقع الشريك الإقليمي إلى موقع الفاعل الاقتصادي الذي يمتلك مصالح واستراتيجيات خاصة به.
وتحمل هذه القراءة دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تكشف عن تغير موازين العلاقات بين الرباط وباريس، بعد سنوات من الحضور الفرنسي التقليدي في عدد من الدول الإفريقية، في مقابل بروز قوى إقليمية جديدة تسعى إلى بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والاستثمار المباشر.
ولم يغفل الصحفي الفرنسي الإشارة إلى التحولات التي عرفتها السياسة الإفريقية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن باريس واجهت واقعاً جديداً لم تعد فيه قادرة على ممارسة الدور التقليدي نفسه، في ظل منافسة أوروبية ودولية متزايدة، وتنامي استقلالية الدول الإفريقية في تحديد شركائها الاقتصاديين والسياسيين.
ويأتي هذا النقاش في وقت تستعد فيه العلاقات المغربية الفرنسية لدخول مرحلة جديدة، خصوصاً مع الحديث عن زيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس خلال يناير 2027، وما يرتبط بها من تحضير لتوقيع معاهدة صداقة بين البلدين، بما يعكس رغبة الطرفين في ترسيخ التقارب وتطوير التعاون الاستراتيجي. غير أن التحدي الحقيقي أمام الرباط وباريس لن يكون فقط في تجاوز الخلافات السابقة، بل في بناء علاقة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي شهدها المغرب، باعتباره بلداً يمتلك رؤية اقتصادية ودبلوماسية مستقلة، وحضوراً متنامياً في غرب ووسط إفريقيا.
قراءة جريدة أصوات إن التصريحات التي نقلتها «فاينانس نيوز هبدو» عن الصحفي الفرنسي أنطوان غلازر تعكس اعترافاً متزايداً داخل بعض الأوساط الفرنسية بأن المغرب لم يعد مجرد بوابة للعبور نحو إفريقيا، بل أصبح منافساً وشريكاً استراتيجياً يمتلك أدواته الاقتصادية والمالية والدبلوماسية. فالتحول الذي تعرفه مكانة المغرب داخل القارة لا يرتبط فقط بتوسع الأبناك والاستثمارات، وإنما أيضاً بتراكم تجربة دبلوماسية واقتصادية جعلت المملكة أكثر قدرة على تنويع شركائها وحماية مصالحها. وفي النهاية، يبدو أن العلاقات المغربية الفرنسية مقبلة على اختبار جديد عنوانه الانتقال من منطق النفوذ التقليدي إلى منطق الشراكة المتكافئة، حيث لم تعد المعادلة القديمة صالحة لفهم موقع المغرب داخل إفريقيا.

التعليقات مغلقة.