تشهد الأبحاث الطبية اهتماماً متزايداً بدور ميكروبات الأمعاء في مكافحة السرطان، بعدما كشفت دراسات حديثة أن الميكروبيوم المعوي قد يكون عاملاً حاسماً في تعزيز فعالية العلاجات المناعية وتحسين استجابة المرضى للأدوية المضادة للأورام.
ويعود هذا الاهتمام إلى ملاحظات سريرية تراكمت على مدى عقود لدى أطباء الأورام وزراعة نخاع العظم، حيث تبين أن التوازن البكتيري داخل الأمعاء يؤثر بشكل مباشر على أداء الجهاز المناعي وقدرته على مواجهة الأمراض الخطيرة، بما فيها السرطان.
من زراعة النخاع إلى أبحاث الميكروبيوم
يوضح الدكتور مارسيل فان دن برينك، المتخصص في سرطانات الدم، أن مرضى زراعة الخلايا المكونة للدم كانوا يخضعون لعلاجات مكثفة تعتمد على جرعات عالية من العلاج الكيميائي والمضادات الحيوية، بهدف إعادة بناء الجهاز المناعي من جديد.
ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت في إنقاذ حياة العديد من المرضى، فإن الباحثين اكتشفوا مع مرور الوقت أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية كان يؤدي إلى اضطراب التوازن الطبيعي للبكتيريا النافعة داخل الأمعاء، ما ينعكس سلباً على المناعة وفرص التعافي.
بكتيريا قد تعزز العلاج المناعي
وفي هذا السياق، تجرى حالياً دراسة سريرية واسعة النطاق تشمل نحو 700 مريض مصاب بسرطان الخلايا الكلوية المتقدم، لاختبار تأثير بكتيريا تعرف باسم “كلوستريديوم بيوتيريكوم” (CBM588)، وهي سلالة مستخدمة منذ سنوات في اليابان كمكمل غذائي لعلاج بعض اضطرابات الجهاز الهضمي.
ويأمل الباحثون أن يؤدي دمج هذه البكتيريا مع العلاجات المناعية التقليدية إلى تحسين استجابة المرضى وتقوية الجهاز المناعي في مواجهة الخلايا السرطانية.
الغذاء عنصر أساسي في المعركة
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن النظام الغذائي يلعب دوراً محورياً في تشكيل الميكروبيوم المعوي وتعزيز فعالية العلاج.
فقد أظهرت دراسة علمية أن المرضى الذين يعتمدون نظاماً غذائياً غنياً بالألياف يتمتعون باستجابة أفضل للعلاج المناعي، كما تنخفض لديهم مخاطر تطور المرض أو الوفاة مقارنة بغيرهم.
ولهذا السبب بدأت بعض المراكز الطبية المتخصصة في تعديل الوجبات المقدمة للمرضى، مع التركيز على الخضروات والفواكه والأطعمة الطبيعية الغنية بالألياف، بدلاً من الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات والمنتجات المصنعة.
زرع بكتيريا الأمعاء
ومن بين أكثر التقنيات الواعدة في هذا المجال ما يعرف بزراعة جراثيم البراز، وهي عملية يتم خلالها نقل بكتيريا نافعة من شخص سليم أو من مريض استجاب جيداً للعلاج إلى مريض آخر، بهدف إعادة التوازن للميكروبيوم وتحفيز المناعة.
وأظهرت بعض التجارب الأولية نتائج مشجعة، حيث ساهمت هذه التقنية في رفع معدلات الاستجابة للعلاج المناعي لدى مرضى يعانون من أنواع مختلفة من السرطان، من بينها سرطان الرئة والورم الميلانيني.
مستقبل واعد رغم التحديات
ورغم النتائج الإيجابية، يؤكد الباحثون أن الطريق ما زال طويلاً لفهم العلاقة المعقدة بين الميكروبيوم والسرطان، نظراً لوجود مئات الأنواع من البكتيريا والفيروسات والكائنات الدقيقة التي تتفاعل داخل جسم الإنسان بطرق معقدة.
ومع ذلك، يرى العلماء أن هذا المجال يمثل أحد أكثر الاتجاهات البحثية الواعدة في طب الأورام، وقد يساهم مستقبلاً في تطوير علاجات أكثر فعالية تعتمد على تعديل النظام الغذائي وتعزيز التوازن البكتيري داخل الأمعاء كجزء من الخطة العلاجية الشاملة لمكافحة السرطان.
التعليقات مغلقة.