يساعد تقليل الاعتماد المفرط على الشاشات وتخصيص وقت أكبر للأنشطة الواقعية على تحسين التركيز ودعم الصحة النفسية والوظائف الإدراكية، خصوصا مع الانتشار الواسع للاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي.
ويستخدم تعبير «تعفن الدماغ» بشكل شائع لوصف الشعور بالضبابية الذهنية أو ضعف التركيز الناتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي لكنه ليس تشخيصا طبيا رسميا.
ومع ذلك، فإن تقليل المشتتات الرقمية وتبني عادات صحية يمكن أن يساعدا على استعادة الانتباه وتحسين جودة الحياة.
ومن أبرز الخطوات الفعالة تقليل الوقت المخصص لوسائل التواصل الاجتماعي، من خلال تحديد فترة يومية واضحة لاستخدامها، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية وتخصيص أوقات لأنشطة بعيدة عن الإنترنت، مثل القراءة أو ممارسة الرياضة. كما يمكن الاستعانة بأدوات رقمية لحجب التطبيقات المشتتة خلال ساعات العمل أو الدراسة.
كذلك، تساعد ممارسة اليقظة الذهنية على تدريب الانتباه من خلال التركيز على اللحظة الحالية وملاحظة الأفكار والمشاعر دون إصدار أحكام عليها. ويمكن ممارسة تمارين بسيطة، مثل التنفس الواعي أو المشي مع التركيز على المحيط أو تناول الطعام ببطء وانتباه.
وتؤدي الحركة والنشاط البدني دورا مهما في دعم صحة الدماغ، لذلك ينصح بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني المعتدل أسبوعيا، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة أو السباحة، إلى جانب أخذ فترات قصيرة للحركة والتمدد خلال فترات العمل الطويلة.
ومن جهة أخرى، تمثل قراءة الكتب بديلا مفيدا عن الاستهلاك السريع للمحتوى الرقمي، لأنها تتطلب تركيزا متواصلا وتساعد على تنشيط عمليات الفهم والاستيعاب والخيال. ويمكن تخصيص نحو 30 دقيقة يوميا للقراءة، مع التنويع بين الكتب الأدبية والمعرفية.
كما يُنصح بالتركيز على مهمة واحدة بدلا من الانتقال المستمر بين عدة مهام، لأن تعدد المهام قد يزيد العبء على الذاكرة العاملة ويؤثر في جودة الأداء. ويمكن تجربة تقنية «بومودورو»، القائمة على العمل لفترات محددة تتخللها استراحات قصيرة، للمساعدة على الحفاظ على الانتباه.
وفي السياق ذاته، لا ينبغي إهمال العلاقات الاجتماعية الواقعية، إذ يوفر التواصل المباشر مع الأصدقاء والعائلة فرصا للتفاعل العاطفي والدعم الاجتماعي بعيدا عن العالم الافتراضي.
ولذلك يمكن تخصيص أوقات منتظمة للقاء الأشخاص المقربين أو المشاركة في أنشطة اجتماعية.
وقد يكون أخذ استراحة منظمة من الأجهزة والشاشات مفيدا أيضا، خصوصا للأشخاص الذين يجدون أنفسهم يقضون ساعات طويلة في التصفح دون هدف محدد. ويمكن البدء بفترات قصيرة خالية من الهاتف، ثم توسيعها تدريجيا حسب القدرة على الالتزام.
كما يساعد تعلم هواية أو مهارة جديدة، مثل العزف على آلة موسيقية أو تعلم لغة أو الطبخ أو التصوير، على إشراك الدماغ في أنشطة تتطلب التعلم والممارسة وحل المشكلات، وهو ما يوفر بديلا نشطا عن الاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي.
ويعد الخروج إلى الهواء الطلق وقضاء بعض الوقت في الطبيعة من العادات التي يمكن أن تساعد على تخفيف التوتر واستعادة الانتباه.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال المشي في الحدائق أو زيارة المساحات الخضراء أو ممارسة البستنة أو قضاء وقت في أماكن طبيعية.
وبالإضافة إلى ذلك، توفر الأنشطة الإبداعية، مثل الرسم والكتابة والحياكة والعزف، طريقة أخرى لإشغال الدماغ بنشاط منتج بدلا من التمرير المستمر عبر المحتوى الرقمي، كما تمنح الشخص مساحة للتعبير والتفكير وتوليد الأفكار.
ولا يقل النوم أهمية عن باقي العادات، إذ يحتاج الدماغ إلى الراحة الكافية لدعم الذاكرة والانتباه والأداء الإدراكي. لذلك يُستحسن تجنب السهر من أجل تصفح الهاتف أو مشاهدة المحتوى، والحفاظ قدر الإمكان على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة.
وأخيرا، يظل النظام الغذائي المتوازن جزءا أساسيا من نمط الحياة الداعم لصحة الدماغ، مع التركيز على الأطعمة الكاملة والخضروات والفواكه والمكسرات والأسماك الغنية بأحماض أوميغا 3، والحد من الإفراط في الأطعمة شديدة التصنيع والغنية بالسكريات.
وتشمل العلامات التي قد يصفها الأشخاص بشكل غير رسمي بأنها «تعفن الدماغ» صعوبة التركيز، والضبابية الذهنية، وعدم القدرة على البقاء منتبها لفترة طويلة، وكثرة التصفح دون هدف، واضطرابات النوم والتهيج والقلق وتراجع المزاج أو تقليل التواصل الاجتماعي الواقعي.
وفي النهاية، لا يتطلب استعادة التركيز التخلي الكامل عن التكنولوجيا، وإنما تحقيق توازن أفضل بين العالم الرقمي والأنشطة الواقعية، عبر تقليل المشتتات، وتحريك الجسم، والنوم بشكل كاف، والقراءة، والتواصل الاجتماعي، وممارسة الهوايات التي تمنح الدماغ فرصة للعمل بعيدا عن التدفق المستمر للمحتوى.

التعليقات مغلقة.