الهجرة بين تشديد الحدود وأزمة المستقبل “المغرب و تونس”
"جريدة أصوات" متابعة " ســـلوى الجيــلاني بوعــلي " الــــدار البيضـــاء
في تونس لم يعد سؤال الهجرة عند بعض الشباب هو : «إلى أين سنذهب؟»،
بقدر ما أصبح : «ماذا بقي لنا إذا بقينا؟»
قد يبدو السؤال قاسيا لكنه يختصر جزءا من مأزق جيل كامل يقف بين شهادة لا تضمن وظيفة وعمل لا يضمن حياة كريمة ومستقبل يبدو مؤجلا إلى أجل غير مسمى. وعندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة يصبح البحر رغم مخاطره أقل رعبًا من انتظار طويل بلا أفق.
الأرقام وحدها تكشف جانبا من الصورة فقد بلغ معدل البطالة في تونس 14.9% خلال الربع الثاني من سنة 2026 فيما وصلت بطالة الشباب بين 15 و24 عاما إلى مستويات مرتفعة وبلغت بطالة خريجي التعليم العالي 26.6%.
لكن خلف كل نسبة مئوية قصة إنسان.
هناك شاب درس سنوات طويلة ثم وجد نفسه أمام أبواب مغلقة. وهناك خريج ينتظر وظيفة لا تأتي وهناك آخر يعمل لكنه لا يستطيع أن يبني بيتًا أو يؤسس أسرة أو يرى في راتبه ما يكفيه للعيش بكرامة.
ومن هنا تبدأ الهجرة.
ليست كل رحلة عبر البحر بحثا عن المال فقط كما أنها ليست دائما قرارا مفاجئا.
أحيانا تكون النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الانتظار والإحباط والمقارنة مع آخرين غادروا قبله ونجحوا في الوصول.
ومع انتشار الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أوروبا أقرب في الصورة حتى وإن بقيت بعيدة في الواقع. يرى الشاب حياة أقاربه وأصدقائه في الخارج ويشاهد فرص العمل ومستوى الخدمات فيتولد لديه شعور بأن الحياة الحقيقية تحدث في مكان آخر.
لكن البحر لا يعرف هذه الأحلام.
كل عام يتحول المتوسط إلى مساحة للفقدان والمفارقة أن انخفاض بعض محاولات العبور لا يعني بالضرورة اختفاء دوافع الهجرة فالضغط الاقتصادي والاجتماعي الذي يدفع إلى الرحيل يمكن أن يستمر حتى عندما تصبح الطرق أكثر خطورة. كما أن منظمة الهجرة الدولية تحذر باستمرار من المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين عن طريق البحر.
من تونس إلى المغرب
لكن قصة الهجرة لا تتوقف عند تونس.
المغرب أيضا يعيش موقعا خاصا في خريطة الهجرة : فهو بلد عبور وفي الوقت نفسه بلد استقبال لعدد من المهاجرين.
وقد أوقفت السلطات المغربية عشرات الآلاف من محاولات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة فيما أنقذت البحرية المغربية آلاف الأشخاص في البحر.
وفي سنة 2025 قالت السلطات إنها أنقذت 13,595 مهاجرا في البحر بينما استفاد أكثر من أربعة آلاف مهاجر من برامج العودة الطوعية.
لكن الأرقام الأمنية، مهما كانت كبيرة لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم:
لماذا يحاول الإنسان العبور أصلا؟
هنا يلتقي المغرب وتونس رغم اختلاف التجربتين.
فالشاب التونسي الذي يفكر في مغادرة بلده والشاب المغربي الذي يفكر في الوصول إلى الضفة الأخرى قد لا يعيشان الظروف نفسها لكنهما قد يلتقيان في شعور واحد : الرغبة في مستقبل أكثر وضوحا.
وهذا هو الجانب الذي يجب ألا نغفله عندما نتحدث عن الهجرة.
فمحاربة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تكون أمنية فقط فالحدود يمكن تشديدها والقوارب يمكن اعتراضها والمهربون يمكن ملاحقتهم لكن السؤال سيظل قائما :
ماذا سنفعل بالشاب الذي يريد الرحيل لأنه لم يعد يرى سببا مقنعا للبقاء؟
بين البحر واليابسة
ربما تكون المشكلة الحقيقية في مكان آخر.
نحن نتحدث كثيرا عن «قوارب الموت» ونرى صور الغرق والمفقودين ونطالب بمواجهة شبكات التهريب وكل ذلك ضروري.
لكن من الضروري أيضا أن نسأل عن قوارب أخرى غير مرئية : البطالة الفقر غياب تكافؤ الفرص ضعف الخدمات أزمة السكن وتأخر تأسيس الأسرة وفقدان الثقة في المستقبل.
هذه العوامل لا تظهر في البحر لكنها قد تبدأ الرحلة قبل الوصول إليه بسنوات.
وإذا أردنا أن نواجه الهجرة فعلا فعلينا ألا نسأل فقط : كيف نمنع الشاب من الرحيل؟
بل علينا أن نسأل أيضا :
—- ماذا فعلنا حتى يصبح البقاء خيارا مقنعا؟
إنقاذ الأرواح في البحر واجب إنساني ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر ضرورة لكن الحل الأكثر استدامة يبدأ قبل الشاطئ بكثير:
في المدرسة والجامعة وسوق العمل وفي قدرة الشاب على أن يجد وظيفة تحفظ كرامته ومسكنا يستطيع تحمله ومستقبلًا يستطيع التخطيط له.
من تونس إلى المغرب ومن المغرب إلى بقية بلدان المنطقة لا تحتاج أجيالنا إلى خطاب يخيفها من البحر فقط.
إنها تحتاج إلى أسباب تجعلها لا ترغب في ركوب البحر أصلا.
فحين يصبح البحر أقل خوفا من المستقبل لا يكون السؤال عن المهاجر وحده.
بل يصبح السؤال عن المستقبل الذي تركناه له على اليابسة…؟؟؟

التعليقات مغلقة.