أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

فوارق الأجور والتعويضات بالمغرب هل حان وقت مراجعة المعادلة؟

محمد المشاوري

والتعويضات داخل الدولة إلى واجهة النقاش، خصوصاً مع اتساع الفوارق بين مداخيل المسؤولين والمنتخبين من جهة، وأجور فئات واسعة من الأجراء والمستخدمين من جهة أخرى.

ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى وضع البرلمانيين والوزراء في مواجهة العمال والموظفين، أو المطالبة بالمساواة الحسابية بين مختلف الفئات، بقدر ما يتعلق بطرح سؤال أعمق حول مدى انسجام منظومة الأجور والتعويضات مع مبادئ العدالة الاجتماعية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

يحتل البرلماني موقعاً أساسياً داخل المؤسسة التشريعية، حيث يشارك في مناقشة القوانين المتعلقة بالاقتصاد والشغل والضرائب والحماية الاجتماعية وغيرها من الملفات التي تؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين.

وفي المقابل، يجد الأجير والمستخدم نفسه في مواجهة يومية مع نتائج هذه التشريعات، من خلال تكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم، إضافة إلى الضرائب والاقتطاعات والالتزامات الاجتماعية.

ومن هنا يبرز التساؤل حول مدى قدرة التشريع الاقتصادي والاجتماعي على عكس الواقع المعيشي للفئات التي تعتمد أساساً على الأجر لتأمين حاجياتها الأساسية.

ويرى متابعون لهذا الملف أن تقييم أجور وتعويضات المسؤولين لا ينبغي أن يتم من خلال الأرقام المجردة فقط، وإنما من خلال مقارنتها بمستويات الأجور السائدة، والحد الأدنى للأجور، وحجم الاقتطاعات والضرائب، فضلاً عن تكاليف المعيشة ومستوى الخدمات والحماية الاجتماعية.

فالفارق في الدخل لا يقتصر على الجانب المالي، بل يمكن أن ينعكس على القدرة على السكن، والتعليم، والعلاج، والنقل، والادخار، وضمان المستقبل.

ومن أكثر الأسئلة حساسية في هذا النقاش، حجم الكلفة السنوية لأجور وتعويضات البرلمانيين والوزراء والمسؤولين والمنتخبين، إضافة إلى مختلف الامتيازات المرتبطة بالمسؤوليات العمومية.

ويطرح هذا الأمر الحاجة إلى معطيات رسمية وشفافة توضح حجم هذه النفقات، ومدى خضوعها للمراجعة والتقييم، ومدى ارتباطها بمستوى المسؤولية والنتائج والمردودية.

وفي المقابل، فإن الحديث عن «ملايير تُنزف» دون الاستناد إلى وثائق وأرقام رسمية قد يضعف النقاش، ويحوّل قضية مشروعة تتعلق بالشفافية والعدالة إلى مجرد جدل قائم على الانطباعات.

في الجهة الأخرى، تواجه فئات واسعة من العمال والمستخدمين تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية والاستقرار المهني وظروف العمل.

ولا تتمحور مطالب هذه الفئات بالضرورة حول الامتيازات، وإنما حول الحصول على أجر عادل، وحماية اجتماعية فعالة، وتقاعد يحفظ الكرامة، واحترام قانون الشغل، وتحسين ظروف العمل، ومحاربة الهشاشة والمناولة غير المنصفة، إلى جانب نظام ضريبي أكثر إنصافاً.

وهي مطالب ترتبط أساساً بتوفير شروط العيش الكريم وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.

هل يجب ربط التعويض بالنتائج؟

ومن بين المقترحات التي يثيرها النقاش ضرورة تعزيز العلاقة بين المسؤولية والمردودية والمحاسبة.

فإذا كانت المسؤولية وحجم المهام يشكلان أساساً لتحديد التعويض، فإن التساؤل حول النتائج المحققة ومستوى الإنجاز وآليات التقييم والمساءلة يظل مشروعاً أيضاً.

ولا يعني ذلك بالضرورة حرمان المسؤول من التعويض، وإنما البحث عن منظومة أكثر وضوحاً تجعل المسؤولية والكفاءة والنتائج والمحاسبة عناصر مترابطة.

فالعدالة لا تقاس بالنصوص القانونية وحدها، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.

وإذا كان القانون يوفر الحماية للأجير، فإن التحدي يكمن في ضمان تطبيق هذه الحماية على أرض الواقع. وإذا كانت الدولة تفرض الضرائب والاقتطاعات، فمن حق المواطن أن يتساءل عن كيفية توجيه هذه الموارد ومدى انعكاسها على الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية والاستثمار وخلق فرص الشغل.

كما أن منظومة التعويضات العمومية تظل مطالبة بالوضوح والشفافية، حتى يظل المال العام خاضعاً للمراقبة والمساءلة.

المطلوب فتح الملف بالأرقام

ويبدو أن النقاش حول الأجور والتعويضات يحتاج إلى الانتقال من الخطاب العام إلى الأرقام والمعطيات الرسمية.

فالمطلوب هو الكشف بشكل واضح عن الكلفة السنوية لأجور وتعويضات مختلف الفئات التي تتحمل مسؤوليات سياسية وتنفيذية ومؤسساتية، ومقارنتها بتطور أجور الأجراء والمستخدمين والقدرة الشرائية.

والأسئلة المطروحة تبدو مباشرة: كم تنفق الدولة؟ وعلى من؟ ومقابل ماذا؟ وما النتائج المحققة؟ وفي المقابل، كم يكسب الأجير؟ وما حجم الضرائب والاشتراكات التي تقتطع من دخله؟ وما الذي يتبقى له فعلياً بعد مواجهة تكاليف الحياة؟

لا يتعلق الأمر، في نهاية المطاف، بصراع بين البرلماني والعامل أو بين الوزير والموظف، وإنما بضرورة التفكير في منظومة أكثر عدالة وشفافية للأجور والتعويضات داخل الدولة.

منظومة تعترف بالمسؤولية والكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تراعي القدرة الشرائية وقيمة العمل، وتربط الامتيازات بالمسؤولية والمحاسبة، وتضمن للأجير والمستخدم نصيباً عادلاً من ثمار التنمية.

فإذا كانت الإمكانيات المالية للدولة محدودة، فإن من حق المواطن معرفة أولويات الإنفاق العمومي وكيفية توزيع الموارد.

وبين أجور وتعويضات مرتفعة في أعلى هرم المسؤولية، ودخول محدودة تواجه أعباء الحياة اليومية، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل حان الوقت لإعادة النظر في معادلة الأجور والتعويضات داخل الدولة، على أساس الأرقام والشفافية والمردودية والعدالة الاجتماعية؟

ففي نهاية المطاف، يظل المال العام مالاً للمواطن، وتبقى العدالة الاجتماعية أكبر من مجرد شعارات، لأنها تُقاس بما يشعر به الأجير والمستخدم والمواطن في حياته اليومية، وبما يتبقى له من دخله في نهاية كل شهر.

التعليقات مغلقة.