تتسع موجة الملاريا في السودان بعدما تجاوز عدد الإصابات 2.7 مليون حالة في وقت يواجه فيه النظام الصحي ضغوطاً متزايدة بفعل الحرب والنزوح وتراجع الخدمات وسط تحذيرات من احتمال تداول أدوية مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات.
وأفادت معطيات لوزارة الصحة السودانية بارتفاع الإصابات في ولايات الخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة مقارنة بالعامين الماضيين، بينما كشفت منظمة الصحة العالمية أن 37 في المئة من المرافق الصحية في البلاد لا تزال خارج الخدمة.
وفي السياق ذاته، أدى استمرار الحرب إلى تعطيل عدد من مرافق الرعاية الصحية وبرامج مكافحة النواقل، في وقت ساهمت فيه الأمطار والمياه الراكدة وتراكم النفايات في توفير بيئة ملائمة لتكاثر البعوض، ما زاد من صعوبة احتواء انتشار المرض.
كما كثفت وزارة الصحة الاتحادية تدخلاتها في المناطق الأكثر تضررا ولا سيما عدد من محليات الخرطوم مع خطط لتوسيع عمليات مكافحة النواقل وتعزيز التنسيق مع الهلال الأحمر السوداني، بالتوازي مع تدخلات مماثلة في ولايات أخرى بينها النيل الأزرق.
ومن جهة أخرى أثارت فعالية أدوية الملاريا نفسها تساؤلات متزايدة بعدما حذر البروفيسور مأمون حميدة وزير الصحة السابق بولاية الخرطوم، من تحولات خطيرة في نمط انتشار المرض عقب الحرب، داعياً إلى مراجعة استراتيجيات المكافحة وتشديد الرقابة على الأدوية.
ويروي حميدة أنه أصيب بملاريا شديدة وخضع للعلاج في مستشفى «علياء 2»، غير أن الأعراض استمرت قبل أن تتطور حالته إلى مضاعفات في الرئة، مشيراً إلى أنه شاهد خلال وجوده في المستشفى عددا كبيرا من مرضى الملاريا، بينما نقل عن طبيب قوله إن بعض الأدوية «لم تعد فعالة».
ومع ذلك، لا تعني عدم استجابة المريض للعلاج بالضرورة أن الدواء مغشوش أو فقد فعاليته على نطاق واسع، إذ قد ترتبط الحالة بمقاومة الطفيلي للدواء، أو التشخيص غير الدقيق، أو الجرعة، أو عدم الالتزام بالعلاج، إضافة إلى ظروف التخزين.
وفي المقابل، حذر حميدة من احتمال وجود أدوية مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات، داعياً إلى تشديد الرقابة على عمليات الاستيراد والتخزين وضمان جودة الأدوية المتداولة في الأسواق.
كما أشارت الصيدلانية نجلاء نورين إلى أنها صادفت أدوية مضادة للملاريا تعتقد أنها مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات، مستشهدة بحالة شاهدت خلالها شابا يحمل أكياسا شفافة تحتوي على حقن «أرتميثر» وأقراص وحقن «أرتيسونات»، وقد تركها تحت تأثير الحرارة أثناء تنقله.
وتحذر نورين من أن الحرارة وظروف التخزين غير الملائمة يمكن أن تؤثر في المادة الفعالة وتضعف كفاءة الدواء، مؤكدة أن المريض العادي لا يستطيع بالعين المجردة التمييز بين الدواء الأصلي والمغشوش.
وفي هذا الإطار، بدأت في ولاية القضارف دراسة اتحادية لقياس فعالية أدوية الملاريا المستخدمة في خطي العلاج الأول والثاني للملاريا البسيطة، بهدف الحصول على أدلة علمية بشأن مدى قدرة البروتوكولات العلاجية الحالية على مواجهة المرض.
وأوضح رئيس الفريق أن الدراسة تجرى كل ثلاث سنوات وكانت آخر دراسة قد أنجزت عام 2023، فيما تشمل الدراسة الحالية موقعين في الولاية، من خلال جمع البيانات والعينات من الحالات، بمشاركة الكوادر الصحية في المراكز والمستشفيات المختارة ولمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر.
وتهدف الدراسة إلى تقييم فعالية البروتوكول العلاجي والأدوية المستخدمة، تمهيدا لتحديث البروتوكول واتخاذ قرارات علاجية تستند إلى الأدلة العلمية.
وبناءً على ذلك، قد تتجاوز أهمية نتائج الدراسة حدود ولاية القضارف، إذ إن ثبوت تراجع فعالية أحد الأدوية يمكن أن يدفع إلى مراجعة البروتوكولات العلاجية وسياسات مكافحة الملاريا على نطاق أوسع، خصوصا في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي السوداني.
وتكتسب هذه الاختبارات أهمية إضافية في القضارف، حيث تتداخل الأمطار والمياه والظروف المناخية وحركة السكان مع بيئة ملائمة للأمراض التي ينقلها البعوض، ما يجعل فعالية العلاج جزءاً أساسياً من معركة مكافحة الملاريا.
وفي ظل الحرب تبدو الأزمة أكثر تعقيدا بعدما تضررت سلسلة الاستجابة الصحية، بدءا من الوقاية ومكافحة البعوض، مرورا بالتشخيص، وصولا إلى توفير الأدوية وتخزينها ومراقبة جودتها.
وهكذا يجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام خطر صحي متشابك يجمع بين الحرب والنزوح والأمطار والمياه الراكدة وتضرر المرافق الصحية في وقت يحتاج فيه المصابون إلى تشخيص دقيق وعلاج سريع وفعال.
وتتجاوز المعركة في السودان مواجهة البعوض الناقل للطفيلي لتشمل مختلف حلقات المنظومة الصحية، من الوقاية والتشخيص إلى جودة الدواء وظروف تخزينه في بلد أنهكته الحرب وأصبحت فيه الملاريا تهديدا إضافيا لنظام صحي يكافح من أجل البقاء.

التعليقات مغلقة.