أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية.. من جمع المعطيات إلى بناء المعرفة النقدية

"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"

يطرح كتاب «طرائق البحث في العلوم الاجتماعية» لتشافا فرانكفورت-ناشمياس ودافيد ناشمياس، بترجمة د. ليلى الطويل، سؤالا أساسيا حول طبيعة البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية، باعتباره أكثر من مجرد أدوات وتقنيات لجمع المعلومات وتحليلها.

فالكتاب يقدم تصورا للبحث بوصفه مسارا معرفيا يقوم على التفكير المنظم، والملاحظة الدقيقة، والقدرة على مساءلة الظواهر الاجتماعية وفهم العوامل التي تتحكم في تشكيلها.
ويبرز البعد الإبستمولوجي للكتاب من خلال التأكيد على أن المعرفة العلمية لا تبنى على الانطباعات أو الملاحظات العابرة، وإنما تحتاج إلى منهج واضح يربط بين السؤال والفرضية والملاحظة والتحليل والاستنتاج.

فالباحث في العلوم الاجتماعية لا يكتفي بوصف ما يراه، بل يسعى إلى فهم الأسباب والعلاقات التي تقف خلف الظاهرة المدروسة.

وتحتل العلاقة بين النظرية والميدان مكانة أساسية في هذا التصور.

فالنظرية تمنح الباحث الإطار الذي يساعده على صياغة أسئلته وفهم معطياته، بينما يسمح العمل الميداني باختبار الأفكار النظرية ومراجعتها في ضوء الواقع. ومن هنا تصبح العلاقة بين النظرية والملاحظة علاقة متبادلة، لأن النظرية التي تنفصل عن الواقع تفقد قدرتها على تفسيره، كما أن الملاحظة التي تفتقر إلى إطار فكري قد تتحول إلى مجرد تجميع للمعطيات دون معنى علمي واضح.
كما يواجه البحث الاجتماعي تحديا آخر يتمثل في الموضوعية والذاتية.

فالباحث، باعتباره جزءا من المجتمع الذي يدرسه، قد يتأثر بأفكاره وقناعاته وتجربته الشخصية. ولذلك تبرز أهمية المنهج في الحد من تأثير الأحكام المسبقة والانطباعات الشخصية، وتحويل الملاحظات إلى معطيات قابلة للفحص والمقارنة والتحليل.

ولا يقتصر الأمر على جمع المعلومات، بل يتعلق أيضا بكيفية اختيارها وتنظيمها وتفسيرها.

فكل سؤال بحثي يحتاج إلى تحديد واضح للمفاهيم، وكل مفهوم يحتاج إلى ترجمة إجرائية تسمح بدراسته في الواقع.

وبذلك يصبح البحث عملية متكاملة تبدأ بتحديد المشكلة وتنتهي إلى نتائج يمكن مناقشتها ومراجعتها ونقدها.
ويقدم تصميم البحث في هذا السياق باعتباره جزءا أساسيا من التفكير العلمي، وليس مجرد إجراء تقني.

فمن خلاله يحدد الباحث موضوع الدراسة، ومجالها، والعينة أو الحالات التي سيشتغل عليها، والأدوات التي سيستخدمها، والطريقة التي سيحلل بها النتائج.

وكلما كان التصميم أكثر وضوحاً وانسجاما مع طبيعة السؤال، أصبحت النتائج أكثر قابلية للفهم والمناقشة.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة بكثرة، وأصبح نشر الآراء والانطباعات أسرع من التحقق منها.

فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة إنتاج المعرفة، لأن المعرفة العلمية تحتاج إلى سؤال واضح، ومنهج منظم، وأدلة قابلة للفحص، وقدرة على التمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الانطباع والنتيجة العلمية.
ومن هذه الزاوية، لا يقدم الكتاب وصفة تقنية لإنجاز البحوث فحسب، بل يفتح أمام القارئ مدخلاً لفهم فلسفة البحث العلمي في العلوم الاجتماعية.

فالمنهج ليس مجموعة من الخطوات الميكانيكية، وإنما طريقة في التفكير تساعد الباحث على تجاوز الظاهر، وفهم العلاقات الاجتماعية، واكتشاف العوامل التي تفسر الظواهر بدلاً من الاكتفاء بوصفها.

إن القيمة الحقيقية للبحث الاجتماعي تكمن في قدرته على تحويل الواقع إلى موضوع للمعرفة والنقد، وعلى مساعدة الباحث في بناء أسئلة دقيقة وقراءة المعطيات بعيدا عن التسرع والأحكام الجاهزة.

ولذلك تظل المنهجية العلمية أساسا لكل محاولة جادة لفهم المجتمع، سواء تعلق الأمر بقضايا التعليم أو العمل أو الفقر أو التحولات الثقافية أو العلاقات الاجتماعية أو السياسات العمومية.
وفي النهاية، يؤكد هذا الكتاب أن البحث العلمي ليس مجرد جمع للمعلومات، بل هو بناء منظم للمعرفة يقوم على السؤال والنقد والتحليل والتحقق.

وكلما امتلك الباحث أدوات منهجية واضحة ووعيا بحدودها، استطاع أن ينتقل من ملاحظة الظاهرة إلى فهمها، ومن فهمها إلى تفسيرها، ومن تفسيرها إلى إنتاج معرفة يمكن أن تسهم في قراءة المجتمع بصورة أكثر دقة وعمقا.

التعليقات مغلقة.