تونس بين تأخر الزواج وارتفاع الطلاق: عندما تصبح الأسرة أمام أسئلة جديدة
"جريدة أصوات" سلوى الجيلاني بوعلي "تونس"
لم تعد ظاهرة تأخر الزواج في تونس مجرد مسألة اجتماعية عابرة كما لم يعد الطلاق مجرد قرار يخص زوجين اختلفا داخل بيت مغلق.
فالأرقام والتحولات التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة تكشف عن تغير عميق في مفهوم الزواج نفسه وفي شروط تكوين الأسرة واستمرارها.
وتظهر نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن متوسط العمر عند الزواج الأول بلغ 35.3 سنة لدى الرجال و28.9 سنة لدى النساء، بعدما كان سنة 1966 في حدود 27.1 سنة للرجال و20.9 سنة للنساء.
أي أن الزواج أصبح يأتي في سن متأخرة بكثير مقارنة بما كان عليه قبل ستة عقود.
وهنا تبرز كلمة «العنوسة» وهي كلمة شائعة في الخطاب الاجتماعي لكنها في حد ذاتها تحمل أحيانا حكما قاسيا على المرأة التي لم تتزوج فالأدق الحديث عن “تأخر الزواج “أو “استمرار العزوبية ” لأن عدم الزواج ليس بالضرورة فشلًا شخصيًا وإنما قد يكون نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وتعليمية وثقافية وسكنية ومهنية.
واللافت أن التعداد يكشف أيضا عن استمرار الفارق بين الجنسين في توقيت الزواج ففي سنة 2024 بلغ الفارق في متوسط سن الزواج الأول 6.4 سنوات لصالح النساء. وهذا الفارق يطرح سؤالا اجتماعيا مهما : إذا كان جزء من المجتمع لا يزال يفضل زواج الرجل من امرأة أصغر منه سنا فماذا يحدث للنساء اللواتي يتجاوزن سنا معينة دون زواج؟
الاقتصاد حاضر بقوة
لا يمكن الحديث عن تأخر الزواج في تونس بمعزل عن الظروف الاقتصادية فالشاب الذي يجد نفسه أمام البطالة أو العمل الهش وارتفاع كلفة السكن وتجهيز البيت ومصاريف الزواج قد يؤجل فكرة تكوين الأسرة سنوات طويلة.
كما أن المرأة التونسية تغير موقعها داخل المجتمع
فقد ارتفع مستوى التعليم والعمل والطموح المهني وأصبحت شريكة فاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ولذلك لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير من النساء مشروعًا يجب أن يتم بأي ثمن بل أصبح مرتبطا أيضا بالاستقرار والاحترام والتوافق.
ومن جهة أخرى فإن ارتفاع سن الزواج يعني بالضرورة تقلص الفترة المتاحة لتكوين الأسرة والإنجاب وهو ما يجعل قضية الزواج مرتبطة أيضا بمسألة ديمغرافية أوسع.
لكن المفارقة تظهر في الطلاق
في الوقت الذي يتأخر فيه الزواج تواجه الأسر التونسية ظاهرة أخرى هي ارتفاع حالات الطلاق.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن أحكام الطلاق بلغت 16,012 حالة سنة 2023 مقابل 14,982 سنة 2015 و17,306 سنة 2019.
وقد انخفض العدد خلال 2020 و2021 قبل أن يعود إلى الارتفاع في 2022 و2023.
كما تكشف بيانات التعداد أن نسبة المطلقين من السكان البالغين 20 سنة فأكثر بلغت سنة 2024 2.1% مع فارق واضح بين النساء والرجال 2.8% من النساء مقابل 1.4% من الرجال.
وهنا يجب الحذر من قراءة الأرقام بطريقة سطحية. فالطلاق ليس دائمًا دليلًا على فشل مؤسسة الزواج كما أن انخفاض الطلاق لا يعني بالضرورة نجاح الأسر فقد تستمر بعض الزيجات رغم وجود مشاكل عميقة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو بسبب الأطفال.
— من «البقاء بأي ثمن» إلى البحث عن حياة زوجية أفضل
ربما تغيرت إحدى أهم القواعد غير المألوفة في المجتمع التونسي : لم تعد المرأة تقبل بالضرورة أن يستمر الزواج مهما كانت الظروف كما لم يعد الرجل بالضرورة يرى الطلاق وصمة اجتماعية كما كان في السابق.
وهذا التحول يمكن النظر إليه من زاويتين:
من جهة هو تعبير عن ارتفاع الوعي بالحقوق الفردية ورفض العنف والإهانة والإكراه.
ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي ضعف القدرة على الحوار والضغوط الاقتصادية والتوقعات المرتفعة من الزواج وتدخل العائلة وسرعة اتخاذ قرار الزواج أو الطلاق إلى هشاشة العلاقة الزوجية.
لذلك فإن معالجة الطلاق لا تكون فقط بالدعوة إلى «الصبر» ومحاولة كلا من الطرفين مجاراة الحياة الثنائية داخل اكراهات نواميس المجتمع كما أن معالجة تأخر الزواج لا تكون بالضغط على النساء للقبول بأي رجل أو على الرجال للزواج قبل قدرتهم على تحمل المسؤولية.
— المرأة المطلقة… بين الطلاق و«الفرصة الثانية»
هناك جانب آخر يستحق نقاشا جادا ماذا يحدث للمرأة بعد الطلاق؟
فالمجتمع قد يكون أكثر قسوة مع المرأة المطلقة منه مع الرجل المطلق.
الرجل يستطيع في حالات كثيرة إعادة الزواج بسهولة أكبر بينما تواجه المرأة المطلقة أحيانا أحكاما اجتماعية مسبقة خصوصا إذا كانت أما.
وتؤكد بيانات التعداد وجود فرق واضح في نسبة المطلقين بين الجنسين وهو ما يجعل مسألة إعادة الزواج والاندماج الاجتماعي للمرأة المطلقة قضية تستحق دراسة مستقلة ووعيا مجتمعيا تقدميٓا دون المساس بمكانة الرجل .
ليست المشكلة في «العنوسة» وحدها
إن اختزال الأزمة في عبارة «ارتفاع العنوسة» قد يكون مضللا فالمشهد التونسي أكثر تعقيدا.
زواج متأخر كلفة معيشة مرتفعة صعوبة السكن بطالة وهشاشة مهنية تغير مكانة المرأة تغير توقعات الشباب ثم طلاق يعيد عددا من الأشخاص إلى العزوبية من جديد.
وهكذا يصبح المجتمع أمام دائرة متشابكة.
والحل لا يمكن أن يكون اجتماعيًا فقط فهو يحتاج إلى سياسات اقتصادية توفر للشباب العمل والسكن وتربية أسرية تعلم الحوار والمسؤولية ودعم اجتماعي للمطلقين والأطفال ومواجهة العنف الأسري وتغيير النظرة التي تختزل قيمة المرأة في كونها متزوجة.
فالأسرة التونسية لا تحتاج إلى العودة إلى الماضي ولا إلى هدم مؤسسة الزواج بل تحتاج إلى زواج أكثر نضجًا وعدلا واستقرارا.
وفي النهاية ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: «لماذا تأخرت الفتاة عن الزواج؟»، وإنما:
«ما الذي جعل تكوين أسرة مستقرة وصحية أكثر صعوبة بالنسبة إلى جيل كامل من التونسيين؟»

التعليقات مغلقة.