يبدو أن عزيز أخنوش بات يشكّل ظاهرة سياسية غير مسبوقة في تاريخ المغرب الحديث. لم يسبق أن واجه رئيس حكومة إجماعاً شعبياً واسعاً يطالب برحيله كما يحدث اليوم. فمنذ توليه رئاسة الحكومة عام 2021، أصبح أخنوش محور معظم الاحتجاجات التي تعرفها المدن المغربية، في مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي من سياساته وحصيلة حكومته، التي يصفها كثيرون بأنها الأضعف في العقود الأخيرة.
الرجل الذي دخل المشهد السياسي من بوابة المال والأعمال، واستفاد من شبكة نفوذ اقتصادي هائلة، نجح في الوصول إلى رئاسة الحكومة عبر انتخابات 2021 التي منحت حزبه “التجمع الوطني للأحرار” المرتبة الأولى. لكن هذا النجاح السياسي سرعان ما تحوّل إلى عبء ثقيل، بعدما وجد نفسه في مواجهة موجة غضب اجتماعي لم تهدأ منذ السنة الأولى من ولايته.
منتقدو أخنوش يشيرون إلى أنه يُجسّد نموذجاً صارخاً لتداخل المال بالسياسة، وأن صعوده كان تتويجاً لمسار طويل من النفوذ الاقتصادي الذي امتدّ إلى المجال السياسي. المفارقة أن الرجل الذي رفع شعار “الدولة الاجتماعية” يُتهم اليوم بإفقار الطبقات الوسطى وسحق الفقراء، وسط ارتفاع أسعار المواد الأساسية والوقود، وتصاعد شعور بانعدام العدالة الاقتصادية.
ويُحمّل كثيرون رئيس الحكومة مسؤولية مباشرة عن الأزمة الفلاحية التي يعانيها المغرب حالياً، بعد عقد كامل قضاه وزيراً للفلاحة. آلاف الفلاحين الصغار أفلسوا، وتراجع الإنتاج المحلي بشكل ملحوظ، رغم مليارات الدراهم التي أنفقت ضمن ما سُمّي بـ”مخطط المغرب الأخضر”، الذي زاد من تمركز الثروة في يد فئة محدودة من كبار المستثمرين دون تحقيق الأمن الغذائي المنشود.
اليوم، مع اتساع رقعة الاحتجاجات التي يشارك فيها عشرات الآلاف من المغاربة، تجاوزت المطالبة برحيل أخنوش رفض سياسات حكومية لتتحول إلى رمز للاحتجاج على نمط حكم يُنظر إليه على أنه يجسد الريع واللامساءلة.
السؤال الأعمق يبقى: كيف وصل رجل الأعمال هذا إلى رأس السلطة؟ وهل من المنطق أن يتحوّل من مسؤول عن أزمة الفلاحين إلى رئيس حكومة تواجه أزمة وطنية شاملة في المعيشة والثقة؟
ما يعيشه المغرب اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل لحظة مفصلية في علاقة المواطن بالسلطة، ومعيار جديد لمدى استعداد الدولة للاستماع إلى أصوات الشارع التي تقول: “كفى من حكومة المال، نريد حكومة ا
يُظهر المشهد الحالي تزايد الفجوة بين السلطة والشارع، ويعكس صراعاً بين نموذج اقتصادي سياسي قائم على رأس المال والنفوذ، ونموذج اجتماعي يطالب بالعدالة والمساواة. أخنوش يمثل في هذا السياق حالة متكررة في تاريخ العالم الثالث، حيث يتحول رجال المال إلى صناع قرار سياسي، لكن دون القدرة على معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي يُتوقع منهم معالجتها.
الحلّ ليس مجرد تغيير الأشخاص، بل إعادة النظر في نموذج الحكم والاقتصاد، وإيجاد توازن يضمن توزيع الثروة، ويحمي الطبقات المتوسطة والفقيرة من الانهيار. الاحتجاجات الحالية قد تكون لحظة فاصلة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وفرصة لتحديد سقف جديد للمساءلة والشفافية.عن موقع المحرر

التعليقات مغلقة.