يُقاس رقيّ الأمم، عبر التاريخ، بمدى ازدهار فنونها وثقافتها، وبقدرة مبدعيها على تحويل الواقع إلى أشكال جمالية راقية تعبّر عن نبض المجتمع وتطلعاته. فالمسرح، والفنون التشكيلية، والسينما، والشعر، والكاريكاتور، وغيرها من الفنون، ليست مجرد أدوات ترفيه، بل مرآة حقيقية تعكس تحولات المجتمع وتناقضاته.
غير أن هذا الدور الحيوي للفن يصبح مهدداً حين تُحاصَر الكلمة الحرة، ويُضيَّق على التعبير الجاد الذي يسعى إلى نقد الواقع وصياغته في قوالب إبداعية مهذبة وهادفة. فالكلمة الصادقة، حين تُترجم إلى عمل فني راقٍ، قادرة على ملامسة الوجدان، وشحذ الوعي، ونقل المتلقي عبر عوالم من الفكر والجمال، سواء عبر لوحة تشكيلية، أو قصيدة شعرية تستحضر ثراء اللغة العربية، لغة الضاد والقرآن، بكل ما تحمله من عمق بلاغي وتراكيب نحوية دقيقة.
وفي هذا السياق، تبرز تجارب فنية شابة تسعى إلى إعادة الاعتبار للفن الملتزم، ومن بينها تجربة الفنان المغربي صهيب قبلي، ابن مدينة تازة، الذي اختار فن “الراب” كوسيلة للتعبير عن قضايا مجتمعه. هذا اللون الموسيقي، الذي بات يحظى بإقبال واسع لدى فئة الشباب، يمكن أن يكون أداة قوية لنقل هموم المواطنين، متى التزم بالرسالة الهادفة وابتعد عن مظاهر الابتذال والانحراف القيمي التي تطبع بعض التجارب.
يُقدّم صهيب قبلي نموذجاً لفنان يسعى إلى توظيف الكلمة في خدمة قضايا العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والكرامة الإنسانية. من خلال نصوصه، يعكس معاناة فئات واسعة من المجتمع في مواجهة تحديات يومية مرتبطة بالسكن، والتشغيل، والتعليم، والصحة، وهي ملفات ما تزال تؤرق المواطن وتطرح تساؤلات عميقة حول نجاعة السياسات العمومية.
ولا يقف هذا الطرح عند حدود النقد الاجتماعي، بل يمتد ليشمل قضايا الهوية والانتماء، والدفاع عن القيم، ورفض كل ما من شأنه المساس بثوابت المجتمع أو الدفع به نحو التفكك. وهنا تتجلى وظيفة الفن كقوة ناعمة، قادرة على التأثير في الوعي الجماعي، وتوجيه النقاش العمومي نحو قضايا جوهرية.
إن محاصرة الكلمة، أو التضييق على التعبير الفني الجاد، لا يمكن قراءته إلا كإضعاف لدور الفن في أداء رسالته التنويرية. فالنقد، مهما كان حدّته، يظل أحد أهم آليات التطور، وبدونه تفقد المجتمعات قدرتها على تصحيح مسارها.
لقد لعب الفن، عبر العصور، دوراً محورياً في بناء الإنسان وتشكيل وعيه، وكان دائماً في صلب التحولات الكبرى التي شهدتها الحضارات. لذلك، فإن حماية حرية التعبير الفني، وتشجيع الإبداع المسؤول، يُعدّان شرطين أساسيين لبناء مجتمع متوازن، قادر على احتضان الاختلاف وتدبيره بشكل حضاري.
وفي النهاية، قد تطول فترات التضييق، وقد تشتد القيود على الكلمة الحرة، لكن التاريخ يُثبت أن صوت الإبداع لا يمكن أن يُخمد إلى الأبد. فكما تنقشع العتمة أمام أول خيط من نور، تبقى الحرية أفقاً لا بد أن يتحقق.

التعليقات مغلقة.