أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

خطة “تسديد التبليغ”: تجديد منهجية التوجيه الديني في المغرب

 

الرباط، 18 يناير 2026 – في خطوة جديدة تهدف إلى تجسيد القيم الدينية في الواقع الاجتماعي، ألقى أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، كلمة موحدة لعدد من الأئمة والخطباء والقيمين الدينيين في كافة أنحاء المغرب، حول “خطة تسديد التبليغ”.

 

وقد نُظمت هذه الفعالية بالتوازي في جميع المساجد المغربية يوم السبت 17 يناير 2026، من أجل نشر رؤية موحدة حول كيفية تحسين التبليغ الديني وتحقيق التفاعل الفعلي مع القيم الإسلامية في الحياة اليومية.

 

تجديد المنهجية: ضرورة التفاعل مع متغيرات العصر

 

ركز وزير الأوقاف في كلمته على أهمية تحديث آليات التبليغ الديني بما يتماشى مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. وأكد أن مناهج العمل الديني لا بد أن تتطور لكي تواكب المستجدات وتحقق الاستجابة المطلوبة من المجتمع، مشيراً إلى أن القيم الدينية التي تمثل قوة هائلة للإصلاح ستظل معطلة ما لم تجد تفاعلاً حقيقياً من الأفراد والمجتمعات.

 

وقال التوفيق إن “خطة تسديد التبليغ” تهدف إلى تحسين سلوك الأفراد والجماعات بناءً على القيم الإسلامية، وذلك من خلال تعزيز دور الأئمة في التعليم الديني والتوجيه الاجتماعي. ومن أبرز الأدوات التي تم اقتراحها في هذه الخطة، “الخطب الموحدة” التي يتم توجيهها في يوم الجمعة، على أن تتناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية بما يتناسب مع واقع الناس وتحدياتهم اليومية.

 

الفجوة بين الدين والمجتمع: معالجة التفاوت في السلوك الديني

 

أشار وزير الأوقاف إلى ملاحظة هامة تم رصدها من قبل المجلس العلمي الأعلى، وهي وجود “فجوة كبيرة” بين القيم الدينية.

 

كما ينبغي أن يتم تجسيدها في السلوك الفردي وبين الممارسات اليومية لبعض أفراد المجتمع. ففي حين أن الدين يقدم إطاراً قوياً للعدل والأخلاق، تبين أن هناك تحديات في تطبيق هذه المبادئ في الحياة اليومية.

 

وأكد التوفيق أن “خطة تسديد التبليغ” تعمل على سد هذه الفجوة، وتوضيح كيفية تجسيد القيم الدينية في الحياة اليومية، من خلال التركيز على تعزيز الأخلاق الإسلامية في المعاملات الشخصية، وحل المشكلات الاجتماعية مثل الفقر، والعنف الأسري، والنزاعات الزوجية.

 

أهداف الخطة: من تعزيز الأخلاق إلى تحسين الظروف الاجتماعية

 

التضامن والتكافل: تركز الخطة على تشجيع الأفراد على تقديم الدعم للآخرين، وخاصة عبر إخراج الزكاة، لتوجيهها إلى مستحقيها، والمساهمة في الحد من الفقر. كما تشمل الدعوة إلى ممارسة الإحسان والتعاون بين أفراد المجتمع.

 

صون المساجد ومواردها: تسعى الخطة إلى حماية المساجد من أي تسييس أو فتن قد تؤثر على دورها الروحي والتعليمي. كما يشمل ذلك ضمان استمرار التعليم الديني الفعال، مثل تدريس القرآن الكريم والسنة النبوية.

 

الاهتمام بالقيم الإسلامية في المعاملات: من خلال التوجيه والإرشاد، تهدف الخطة إلى تحسين سلوك الأفراد في التعاملات اليومية، مثل تجنب الغش والخيانة، واحترام العقود، وتعزيز العلاقات الأسرية والاجتماعية.

 

المساهمة في الحد من المشاكل الاجتماعية: تولي الخطة أهمية كبيرة لإصلاح المشاكل الأسرية، مثل العنف ضد المرأة، أو المشاكل الناتجة عن الطلاق. كما تدعو إلى زيادة الوعي بشأن تأثير هذه القضايا على الأطفال والمجتمع.

 

الرياضة والصحة العامة: تروج الخطة كذلك للممارسات الصحية والرياضية في المجتمع، عبر تشجيع الأفراد على ممارسة الرياضة، وتنظيم المسابقات الرياضية التحفيزية، مما يساهم في رفع مستوى اللياقة البدنية والوعي الصحي.

 

التعليم والمشاركة المجتمعية: تشجع الخطة على تعزيز الدعم الأسري لتمدرس الأبناء، خصوصاً الفتيات، وتحث على تقديم مساعدات عينية للأسر المحتاجة، ما يسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة.

 

توجيه رسائل معاصرة من خلال الدين

 

إن خطة “تسديد التبليغ” ليست مجرد مبادرة دينية، بل هي في الواقع مشروع اجتماعي متكامل يهدف إلى معالجة قضايا معاصرة بطرق نابعة من تعاليم الدين الحنيف. ففي وقت تتسارع فيه التغيرات الاجتماعية، يرى وزير الأوقاف أن الدين يجب أن يكون أداة حية تساهم في تحسين الواقع الاجتماعي، لا سيما من خلال التركيز على سلوك الأفراد ورفع مستوى الوعي لديهم.

 

وتعتبر هذه الخطة محاولة لتجسيد دينامية جديدة في العلاقة بين الخطاب الديني والمجتمع، بحيث تصبح القيم الدينية أكثر حضوراً في حياة الناس اليومية، وليس فقط في المساجد أو المناسبات الدينية. وبذلك، فإن هذه الخطة تتجاوز مجرد التوجيه الروحي إلى تدخل ملموس في القضايا الحياتية التي تؤثر على المجتمع، مما يجعلها خطوة هامة نحو بناء مجتمع أكثر تماسكاً ووعيًا.

 

 أفق جديد للإصلاح الديني والاجتماعي

 

بإطلاق “خطة تسديد التبليغ”، يسعى المغرب إلى إحداث تغيير حقيقي في سلوك الأفراد والمجتمع بشكل عام، عبر تحديث أساليب التبليغ الديني بما يتلاءم مع التحديات المعاصرة.

 

وإذا نجحت هذه الخطة في تحقيق أهدافها، فإنها قد تمثل خطوة كبيرة نحو تجديد الخطاب الديني وتوسيع تأثيره ليشمل كافة مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، مما يعزز من قدرة الدين على المساهمة في الإصلاح المجتمعي الفعلي.

التعليقات مغلقة.