أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

كيف ينشرون هكذا؟ بيع الشواهد على مواقع التواصل وصمت الرقيب

بدر شاشا

نصدم كل يوم بمنشوراتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج لشواهدٍ ودبلوماتٍ مزوّرة، تُباع جهارًا نهارًا دون خوفٍ ولا حياء، وكأن القانون غائب، والضمير ميت، والرقابة عمياء. مشاهدٌ مؤلمة تُحزّ في النفس، لأن ضحاياها شبابٌ طموح حُرم من الفرص الحقيقية، فوقع في شباك النصّابين الذين يتاجرون بأحلامهم.

سوق سوداء في وضح النهار

منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى أسواق مفتوحة للغش، حيث تُعرض الشواهد المزورة كما تُعرض السلع التجارية، بصورٍ وإعلاناتٍ جذابة، وشعاراتٍ مغرية توهم الشباب بالحصول على “الاعتراف” و”الوظيفة” و”الفرصة”. المأساة أن كل هذا يتم أمام أعين الجميع، دون تدخلٍ فعّال من السلطات، وكأننا أمام جريمةٍ عادية لا تستحق التوقف عندها.

من المسؤول؟

يتساءل الناس: أين المراقبة؟ أين هي أجهزة الدولة التي تُفترض أن تتابع هذا النوع من الجرائم الإلكترونية الخطيرة؟ وأين إدارة المنصات الرقمية التي تسمح لهذه الصفحات بالنمو والتوسع، رغم بلاغات المستخدمين وشكاوى الضحايا؟ إن ترك هذه الظاهرة دون ردع هو مشاركةٌ غير مباشرة في الجريمة، وتشجيعٌ على تدمير قيمة العلم والجهد الحقيقي.

ضحايا يحلمون… ومحتالون يثرون

هؤلاء الشباب الذين يُخدعون ليسوا مجرمين بالضرورة، بل هم ضحايا واقعٍ قاسٍ. شبابٌ سئم من الانتظار، تعب من الوعود، وأرهقته الظروف الاقتصادية والاجتماعية، فوجد نفسه يلهث خلف وهمٍ اسمه “شهادة جاهزة تفتح الأبواب”. لكن النتيجة معروفة: سجن، تهمة، ووصمة تلاحقهم مدى الحياة. بينما النصّابون يختفون، ويعودون بأسماءٍ جديدة، وصفحاتٍ جديدة، ليعيدوا الدورة نفسها.

كارثة أخلاقية قبل أن تكون قانونية

القضية ليست مجرد تزوير أوراق، بل هي تزوير للقيم، خيانة للمعرفة، وضربٌ في صميم مصداقية التعليم الوطني. حين تُشترى الشواهد، تُباع الكفاءات الحقيقية، وتُهان جهود الذين سهروا الليالي طلبًا للعلم. إنها جريمة ضد العدالة الاجتماعية، وضد روح الوطن الذي يحتاج إلى أبنائه المخلصين لا إلى شهاداتٍ مزيفة.

ما المطلوب؟

المطلوب واضح تشديد الرقابة الرقمية وملاحقة كل من ينشر أو يروّج لشهاداتٍ مزورة، بإجراءاتٍ فورية لا شكلية وتوعية الشباب عبر حملات رسمية وإعلامية تكشف أساليب النصب وخطورة العواقب القانونية وتحديث نظام التحقق من الشهادات بجعلها رقمية ومؤمّنة برموزٍ خاصة تمنع تزويرها ومحاسبة المنصات التي تتهاون في حذف هذه المحتويات المشبوهة.

إن استمرار هذه الظاهرة وصمت الجهات المعنية عنها يشكل وصمة عار في زمنٍ يُفترض أن يكون زمن الشفافية والمعرفة. لا يجوز أن نرى الغش يُباع علنًا بينما يُعاقب الصادقون بالصمت والتجاهل. فالعلم شرف، والشهادة ليست ورقة تُشترى، بل ثمرة جهدٍ وتعبٍ وسهرٍ وعرقٍ نزيه.
آن الأوان لأن تتحرك السلطات والمجتمع معًا لوقف هذا العبث، قبل أن يتحول الغش إلى عادةٍ، والتزوير إلى ثقافةٍ، والصمت إلى تواطؤٍ.

التعليقات مغلقة.