تعتبر حرية الصحافة واحترام استقلاليتها ركيزتين أساسيتين في أي مجتمع ديمقراطي، وفي المغرب، يشهد المشهد الإعلامي هذه الأيام جدلاً محتدماً حول مستقبل مهنة الصحافة والنشر، يتمحور حول دواعي وإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهي الخطوة التي يقول مهتمون إنها تأتي في ظل القصور القانوني الذي كشفت عنه التجربة السابقة في تدبير شؤون القطاع.
كشف النص القانوني الحالي عن عجزه عن سد بعض الثغرات القانونية، أبرزها غياب آلية للإشراف والدعوة إلى الانتخابات. وما كان لهذه الآلية أن تظل بيد الإدارة، على اعتبار أن مبدأ “التنظيم الذاتي” للمهنة يقتضي استقلاليتها عن الحكومة .
لقد عاش المجلس وضعاً استثنائياً منذ عام 2022 بعد انتهاء فترة انتداب أعضائه دون إجراء انتخابات جديدة، ما جعل الحكومة تصدر قانوناً لتمديد عمر المجلس لـ6 أشهر، ثم أصدرت في أبريل/نيسان 2023 قانوناً آخر ينص على نقل صلاحيات المجلس إلى لجنة مؤقتة لتدبير شؤون الصحافة والنشر لمدة سنتين .
يتجلى التوجه نحو إعادة تنظيم المجلس، بهدف سد هذه الفراغات القانونية، في المشروع الجديد الذي ارتفع عدد مواده إلى 97 مادة، مقارنة بـ54 مادة فقط في النص الحالي. ويمنح المشروع الجديد للمجلس المنتظر صلاحيات أوسع، ويفصل بدقة في طريقة تشكيله وآليات إجراء الانتخابات وعملية الانتداب .
من بين المستجدات التي جاء بها المشروع تقليص هيكلة المجلس من 21 إلى 19 عضواً، والرفع من تمثيلية الناشرين إلى 7 أعضاء تنتدبهم المنظمات المهنية، بالإضافة إلى عضوين من الناشرين الحكماء من ذوي الخبرة والكفاءة .
تشكل مسألة التمثيلية وإشكالية آلية الانتخاب أحد أبرز نقاط الجدل في المشروع الجديد. فالنص الحالي أعدته الحكومة بتشاور مباشر مع المعنيين، لأن المغرب لم يكن يمتلك تجربة “تنظيم ذاتي” مسبقة .
في المقابل، فإن اللجنة المؤقتة التي حلت محل المجلس هي من مارست مهام “التنظيم الذاتي” ورفعت تقريرها إلى الحكومة بعد التشاور مع جميع المهنيين. وترى اللجنة المؤقتة، بصفتها الجهة المخولة بممارسة “التنظيم الذاتي”، أن التوجه يجب أن يكون نحو اعتماد آلية “الانتخاب الفردي” للصحافيين المرشحين لعضوية المجلس .
يهدف هذا المسعى إلى مكافحة بعض الممارسات الانتخابية التي تتم عبر اللوائح، وضمان أن يختار الصحافيون ممثليهم بطريقة فردية، مما يكفل تمثيلية أوسع للجميع والاحتكام إلى الصندوق .
أما بخصوص عملية الانتداب، فتشدد المصادر على ضرورة تحصين هذه العملية من طرف الناشرين لمكافحة ممارسات انتخابية مماثلة، لا سيما مع وجود عدد كبير من المواقع الإلكترونية غير المهيكلة الحاملة لبطاقة “ناشر” .
أبدى معارضون لمشروع القانون تخوفاً من أن يُشكّل إقراره تراجعاً عن الضمانات الدستورية لحرية الصحافة واستقلالية مؤسساتها التمثيلية. وفيما تقول الحكومة إن المشروع يسعى لضمان فعالية التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، يرى معارضوه أنه يكرس مقاربة ضبطية تضعف استقلالية الجسم الصحفي .
واعتبرت الفدرالية المغربية لناشري الصحف أن آلية الانتخاب الجديدة تعد “ترسيخاً للتمييز بين المهنيين بطريقة اختيارهم”، ورأت في اعتماد تمثيلية الناشرين وفق رقم معاملات المؤسسات الإعلامية أنها “مفصلة على مقاس مقاولات ذات رأس مال أكبر، وبالتالي تكريس الاحتكار والهيمنة والتغول، والقضاء على التعددية والتنوع” .
من جهته، قال وزير الاتصال السابق مصطفى الخلفي إن مشروع القانون يشكل تراجعاً خطيراً عن المكتسبات الديمقراطية، التي راكمها المغرب في التنظيم الذاتي للصحافة. واعتبر أن اعتماد المشروع على نظام انتخابات مزدوج “نكسة خطيرة”، مؤكداً أن “المسطرة الأصلية في التمثيلية هي الانتخابات المباشرة، بينما يُفترض أن يكون الانتداب استثناء” .
يأتي هذا الجدل في وقت كشفت فيه تسريبات مقاطع فيديو مؤخراً عن جزء من مداولات “لجنة أخلاقيات” المهنة في المجلس الوطني للصحاحة، كان يفترض أن يبقى سرّياً. وما خرج إلى العلن لم يكن مجرّد نقاش مهني، بل كان خطاباً بذيئاً، وسلوكيات مهينة، وانحرافات خطيرة عن أبسط قواعد المسؤولية .
كشفت هذه الواقعة فشل النموذج المغربي للتنظيم الذاتي للصحافة الذي تحوّل إلى واجهة بيروقراطية بلا جوهر، أداة للضبط بدل أن يكون آلية للوساطة وحماية الحقوق وترتيب المسؤوليات، وجهازاً يفتقر إلى الاستقلالية، ما جعله يفقد دوره الأصلي، ويستحيل أداة ردعية تُستعمل لمعاقبة الصحافيين المستقلين .
تخلص المصادر إلى أن النقاش الدائر يحتدم حول مادتين فقط، في حين أن المشروع الجديد يضم 97 مادة، تتضمن مواد أخرى غير المادتين المثيرتين للجدل صلاحيات واختصاصات واسعة تنقلنا فعلياً إلى مستوى “التنظيم الذاتي”. كما أن المشروع يمنح للصحافي أو الناشر حق الطعن أمام المحكمة الإدارية في حالة وجود خروقات، مع توفير لجنة استئناف .
بعد إحالة المشروع على مجلس النواب لمناقشته والتصويت عليه، دعا بعض المهنيين البرلمانيين للانتصار لقيم الديمقراطية وحرية الصحافة، وتمكين المؤسسة التشريعية من أداء دورها في حماية استقلال الإعلام، معتبرين أن هذا القانون لا يمس فقط الجسم الصحفي، بل يسيء للصورة الديمقراطية العامة للمغرب .
في الختام، فإن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تظل قضية محورية في المشهد الإعلامي المغربي، وإشكالية العلاقة بين السلطة الرابعة والسلطات الدستورية الأخرى، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية الصحافة وقدرتها على القيام بدورها الرقابي في المجتمع، وهو ما سيكون محور متابعة واهتمام جميع المهتمين بمستقبل الديمقراطية والحريات في المغرب.

التعليقات مغلقة.