خلال السنوات الأخيرة، بدأت بوادر ظاهرة خطيرة تلوح في الأفق بشكل تدريجي، لكنها تحمل تأثيراً عميقاً على مستقبل سوق الشغل، وهي ظاهرة عزوف الشباب عن العمل في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الفلاحة وقطاع البناء. هذه الظاهرة لم تعد مجرد انطباع أو حديث عام في المقاهي أو مواقع التواصل، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتراكمات اقتصادية واجتماعية وتغيرات في نظرة الجيل الجديد للعمل والحياة.
إن المغرب اليوم يعيش مفارقة واضحة: من جهة هناك حاجة متزايدة لليد العاملة في الفلاحة والبناء باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في الاقتصاد الوطني، ومن جهة أخرى هناك تراجع واضح في إقبال الشباب على هذه المهن، حتى أصبحت بعض الشركات والمقاولات الصغيرة والمتوسطة تواجه صعوبات حقيقية في إيجاد عمال قارين أو حتى موسميين وسيكون في المستقبل مشاكل سيعاني منها المغرب
إن قطاع الفلاحة الذي كان في الماضي يستقطب آلاف الشباب من العالم القروي خصوصاً خلال المواسم الزراعية، أصبح اليوم يعاني من نقص كبير في اليد العاملة. السبب لا يعود فقط إلى صعوبة العمل أو موسميته، بل أيضاً إلى تغير تطلعات الشباب الذين أصبحوا يبحثون عن وظائف أقل جهداً جسدياً وأكثر استقراراً زمنياً ومادياً. كما أن بعض الظروف المرتبطة بالأجور، والتنقل، وظروف العمل في الضيعات الزراعية ساهمت في تعزيز هذا العزوف.
أما قطاع البناء، الذي كان يعتبر من أكثر القطاعات تشغيلًا للشباب غير الحاصلين على شهادات عليا، فقد بدأ بدوره يعرف تراجعاً تدريجياً في الإقبال. طبيعة العمل الشاقة، المخاطر المهنية، غياب الاستقرار في بعض الحالات، إضافة إلى ضعف التغطية الاجتماعية في عدد من الورشات، كلها عوامل جعلت الشباب ينظرون إلى هذا القطاع على أنه خيار اضطراري وليس اختياراً مستقبلياً.
ومن جهة أخرى، فإن التحول الرقمي وانتشار ثقافة العمل عبر الإنترنت، وصعود الطموح نحو الوظائف المكتبية أو العمل في الشركات والخدمات، خلق فجوة بين توقعات الشباب وواقع سوق الشغل التقليدي. أصبح الكثير من الشباب يقارن بين عمل بدني شاق في الفلاحة أو البناء، وبين وظائف أخرى حتى وإن كانت أقل أجراً لكنها أكثر راحة واستقراراً اجتماعياً.
إن هذا التحول يحمل في طياته مجموعة من التحديات المستقبلية. فإذا استمر هذا الاتجاه، قد تجد الشركات والمقاولات في المغرب نفسها أمام أزمة حقيقية في الموارد البشرية، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية الأساسية. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأخر إنجاز المشاريع، وربما الاعتماد المتزايد على اليد العاملة الأجنبية أو غير النظامية.
كما أن هذا العزوف لا يمكن فصله عن إشكالية التكوين المهني. فغياب تأهيل حقيقي يربط بين التعليم وسوق الشغل جعل عدداً كبيراً من الشباب يدخلون الحياة العملية دون مهارات تقنية كافية، مما يزيد من صعوبة اندماجهم في المهن التقليدية، ويجعلهم يفضلون الانتظار أو البحث عن فرص أقل مجهوداً.
ومن زاوية اجتماعية، فإن هذا الوضع يعكس أيضاً تحولاً في منظومة القيم المرتبطة بالعمل. لم يعد العمل اليدوي يحظى بنفس التقدير الاجتماعي الذي كان في السابق، بل أصبح يُنظر إليه في بعض الأوساط على أنه عمل “مؤقت” أو “غير مستقر”، وهو تصور يحتاج إلى إعادة بناء من خلال الإعلام والمدرسة والسياسات العمومية.
بصفتي باحثاً مغربياً أتابع هذه التحولات عن قرب، يمكن القول إن الحل لا يكمن في لوم الشباب أو اعتبارهم غير راغبين في العمل، بل في إعادة صياغة منظومة الشغل نفسها. هناك حاجة ملحة إلى تحسين ظروف العمل في الفلاحة والبناء، رفع مستوى الأجور بشكل عادل، ضمان التغطية الصحية والاجتماعية، وإدماج التكنولوجيا في هذه القطاعات لتصبح أكثر جاذبية.
كما أوصي بضرورة إحداث برامج تحفيزية حقيقية، تشمل دعم النقل إلى أماكن العمل، وتحسين السكن المؤقت للعمال، وربط التكوين المهني مباشرة بحاجيات الشركات، إضافة إلى تعزيز ثقافة احترام العمل اليدوي في المجتمع المغربي.
إن مستقبل الاقتصاد الوطني مرتبط بقدرة المغرب على الحفاظ على توازن بين القطاعات الحديثة والقطاعات التقليدية. فإذا تم إهمال الفلاحة والبناء، فإن ذلك سيخلق خللاً هيكلياً خطيراً، أما إذا تم إصلاحهما وتطويرهما، فقد يصبحان من أكبر مصادر التشغيل والاستقرار الاجتماعي.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة شباب، بل أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة تفكير عميق في العلاقة بين الإنسان والعمل والتنمية.

التعليقات مغلقة.