إتهمت السلطات الألمانية رسمياً روسيا بتنفيذ سلسلة من الهجمات السيبرانية واسعة النطاق، استهدفت مؤخراً أنظمة التسجيل والصعود في مطارات أوروبية رئيسية، بينها مطار برلين، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران وإلغاء عشرات الرحلات. هذه الهجمات تمثل أحدث حلقة في ما تصفه برلين بـ “الحرب الهجينة الصامتة” التي تشنها موسكو ضد ألمانيا والدول الأوروبية، وتتجاوز الفضاء الإلكتروني لتشمل التخريب المادي وحملات التضليل الإعلامي واستهداف الأقمار الاصطناعية.
وفقاً لتقارير أمنية ألمانية، فإن الحملة الروسية المستمرة تشمل البنى التحتية الحيوية حيث استهدفت هجمات سيبرانية مؤسسات ألمانية في قطاعات الدفاع والفضاء والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تعطيل عمل أنظمة التسجيل في مطارات أوروبية كبرى مثل برلين وبروكسل وهيثرو في سبتمبر 2025.
الاستهداف السياسي جيث اتهمت ألمانيا مجموعة قراصنة تُعرف باسم “APT28” (المشيرة إلى الاستخبارات العسكرية الروسية GRU) باختراق أنظمة البريد الإلكتروني للحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم بزعامة المستشار أولاف شولتس في عام 2023.
التخريب المادي حيث كشفت التحقيقات عن حوادث تخريب ملموسة، مثل الحادثة التي تعرضت لها السفينة الحربية الألمانية “إمدن” في يناير 2025، قبل وقت قصير من تسليمها للبحرية، حيث ألقيَت برادة معدنية في تروسها.
تُعرِّف ألمانيا هذه الهجمات بأنها جزء من استراتيجية هجينة متعمدة تعمل عمداً في “المنطقة الرمادية” بين الحرب والسلم. وتعتمد موسكو، بحسب السلطات الأمنية، بشكل متزايد على عمليات “منخفضة التكلفة”، حيث يتم تجنيد “وكلاء منخفضي المستوى” – غالباً من الشباب المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق – عبر منصات مثل “تلغرام” لتنفيذ أعمال التخريب مقابل مبالغ مالية بسيطة، مما يصعّب عملية تتبع المسار إلى الجهات الرسمية.
يصف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت هذه الهجمات بأنها “اختبار تحمل للديمقراطية”، محذراً من أنها تستغل وتُفاقم تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الديمقراطية من خلال الأخبار الكاذبة وحملات التضليل الإعلامي واسعة النطاق.
رداً على هذا التهديد المتعدد الأوجه، بدأت ألمانيا في تعزيز قدراتها الدفاعية عبر عدة محاورالدفاع السيبراني الهجومي حيث أعلن رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية هولغر مونش أن ألمانيا طورت قدراتها للرد “بالمشرط وليس بالفأس”، حيث يمكنها تحديد وحذف أو تعديل بيانات المهاجمين على خوادمهم حول العالم.
توسيع الصلاحيات العسكرية حيت قررت الحكومة الألمانية مؤخراً السماح للجيش الألماني (البوندسفير) بإسقاط الطائرات المسيرة فوق الأراضي الألمانية، وهي صلاحية كانت تقتصر في السابق على الشرطة وحدها.
الاستثمار في التقنيات الحديثة: دعا وزير الداخلية دوبريندت إلى استخدام أوسع للذكاء الاصطناعي في أجهزة الاستخبارات لمواجهة التهديدات الهجينة، مع تخصيص موارد مالية كبيرة لهذا الغرض.
تكشف التقارير عن ثغرة خطيرة في الجبهة الداخلية: فوفقاً لدراسة حديثة، 90% من الشركات والمؤسسات الألمانية تعاني من نقص حاد في الكفاءات المتخصصة في الأمن السيبراني. وقد تسببت الهجمات السيبرانية في خسائر قياسية للاقتصاد الألماني بلغت 202.4 مليار يورو في عام 2025 وحده.
بالتوازي، يتصاعد تهديد جديد في الفضاء، حيث اتهمت ألمانيا وبريطانيا روسيا باستخدام أقمارها الاصطناعية لملاحقة الأقمار التجارية والأوروبية وتجسسها، وهو ما وصفه وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأنه “تهديد جوهري”. واستجابة لذلك، تعتزم ألمانيا زيادة تمويل برامج الفضاء بمليارات اليوروهات خلال السنوات المقبلة.
في حين يدعو خبراء أمن وعسكريون إلى اعتبار “الحرب الهجينة تحدياً للمجتمع كله”، يواجه الموقف الألماني الصارم انتقادات داخلية، لا سيما من حزب البديل من أجل ألمانيا المعارض المتهم بقربه من موسكو. كما ينتقد محللون غربيون الخطط الدفاعية الألمانية، واصفين إياها بأنها قد تؤدي إلى سياسات عسكرية كارثية.
من جانبها، تنفي موسكو باستمرار تورطها في أي هجمات سيبرانية، معتبرة الاتهامات “غير مدعمة بأدلة ولا أساس لها من الصحة”، ومؤكدة استعدادها للحوار حول الأمن السيبراني.
تشير كل الدلائل إلى أن هذه “الحرب الصامتة” ستستمر وربما تتوسع في المستقبل المنظور. يواجه القادة الأوروبيون معضلة صعبة: كيفية الرد بفعالية على هجمات تقع في منطقة رمادية قانونياً، دون التصعيد إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. بينما يبدو أن موسكو تعتزم مواصلة استخدام هذا النمط من الصراع “منخفض التكلفة وعالي التأثير” لزعزعة استقرار خصومها من الداخل، تاركة ألمانيا وحلفاءها في سباق مع الزمن لتعزيز منعتهم الرقمية والمجتمعية في مواجهة عدو غير تقليدي.

التعليقات مغلقة.