كشف المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات مالية خطيرة طالت عدداً من الأحزاب السياسية، بعدما طالبت رئيسة المجلس، السيدة زينب العدوي، أربعة عشر حزباً بإرجاع ما مجموعه 21,85 مليون درهم إلى خزينة الدولة، لعدم تبرير أوجه صرفها.
هذه الأموال، التي صُرفت في إطار الدعم العمومي المخصص لتأطير المواطنين وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية، تحولت في بعض الحالات إلى مبالغ غير مبررة، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول طرق تدبير المال العام داخل هيئات يُفترض فيها تمثيل إرادة الشعب والدفاع عن مصالحه.
وخلال عرضها أمام البرلمان، أوضحت السيدة زينب العدوي أن المجلس الأعلى للحسابات يتتبع بدقة وضعية الدعم العمومي الممنوح للأحزاب، سواء تعلق الأمر بالمبالغ غير المستعملة أو تلك التي لم يتم الإدلاء بوثائق تبرر صرفها وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل. وأضافت أن أربعة عشر حزباً أعاد بالفعل ما مجموعه 36,03 مليون درهم إلى حدود متم يناير 2026، في حين ما تزال مبالغ أخرى عالقة بذمة عدد من الأحزاب.
وأكدت المسؤولة الأولى عن المجلس أن عملية تدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم سنة 2024 قد أُنجزت، وسيتم نشر تقريرها النهائي بعد استكمال المساطر القانونية، مع التشديد على ضرورة تسريع إرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة، وتعزيز القدرات التدبيرية والمحاسبية داخل الأحزاب، تفادياً لتكرار هذه الاختلالات.
غير أن خطورة هذه المعطيات لا تكمن فقط في الأرقام، بل في تكرار المشهد مع كل استحقاق انتخابي، ما يحوّل بعض التنظيمات الحزبية، في نظر الرأي العام، إلى هياكل موسمية لا تحضر إلا زمن الانتخابات، ثم تختفي بعد استنزاف الدعم العمومي دون أثر ملموس على تأطير المواطنين أو خدمة الشأن العام.
وأمام هذا الوضع، يتعزز الشعور بفقدان الثقة في العمل السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية يُفترض أن تُصرف بشفافية ومسؤولية. فالاكتفاء بتسجيل اختلالات تقنية أو توجيه ملاحظات إدارية لم يعد كافياً في ظل جسامة الوقائع وتكرارها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب جرأة سياسية حقيقية، تتجاوز منطق التساهل، نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه في سوء تدبير المال العام. كما يطرح الوضع ضرورة إعادة النظر في شروط الاستفادة من الدعم العمومي، وربطها بآليات مراقبة أكثر صرامة، بما يحفظ المال العام ويعيد الاعتبار للعمل الحزبي الجاد.
فهل تكون تقارير المجلس الأعلى للحسابات نقطة تحول حقيقية في مسار تخليق الحياة السياسية؟ أم أن هذه الملفات ستُطوى، كما في مرات سابقة، دون مساءلة فعلية؟ سؤال يبقى مطروحاً، والإجابة عنه كفيلة بتحديد مستقبل الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.