تتجه الأنظار نحو المؤسسة التشريعية بالمغرب مع اقتراب استئناف أشغال البرلمان خلال منتصف شهر أبريل المقبل، في سياق سياسي يتسم بتسارع الإيقاع واقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة لسنة 2026. ولم يعد يفصل البلاد عن هذه المحطة السياسية الحاسمة سوى أشهر قليلة، ما يضع الحكومة والبرلمان معا أمام ضغط الزمن لاستكمال الأوراش التشريعية الكبرى وتقديم حصيلة سياسية وتشريعية مقنعة للرأي العام.
وتدخل الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش مرحلة أخيرة من ولايتها، توصف في الأوساط السياسية بـ”مرحلة الحسم التشريعي والسياسي”، بالنظر إلى الرهانات المرتبطة بتمرير عدد من مشاريع القوانين الكبرى التي تأخر إخراجها خلال السنوات الماضية، والتي تحمل طابعا اجتماعيا، مؤسساتيا واقتصاديا حساسا.
ويبدو أن المؤسسة التشريعية مطالبة بتسريع وتيرة عملها خلال ما تبقى من الزمن التشريعي، الذي لا يتجاوز بضعة أشهر، مع قرب التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ما يجعل الدورة الربيعية المقبلة واحدة من أكثر الدورات البرلمانية حساسية خلال الولاية الحالية. وتتحول هذه الدورة الأخيرة إلى اختبار حقيقي لنجاعة الأداء التشريعي والرقابي للمؤسسة البرلمانية، في ظل ارتفاع سقف الانتظارات الشعبية المرتبطة بجودة النصوص القانونية وقدرتها على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب.
تصدر ملف مراجعة مدونة الأسرة قائمة النصوص القانونية المرتقبة، باعتبارها أحد أبرز الأوراش الاجتماعية الكبرى، نظرا لارتباطها المباشر ببنية الأسرة المغربية وتحولاتها العميقة خلال العقدين الأخيرين. ويرتقب أن تفتح هذه المراجعة نقاشا مجتمعيا واسعا داخل البرلمان وخارجه، في ظل تباين المقاربات بين اتجاه يدعو إلى توسيع دائرة الحقوق وتعزيز المساواة داخل الأسرة، واتجاه آخر يتمسك بالحفاظ على التوازنات المجتمعية والمرجعيات الدستورية والدينية المؤطرة للهوية المغربية.
وتشمل المقترحات المتداولة عددا من المحاور الأساسية، من بينها تشديد شروط الاستثناء في زواج القاصرات، مراجعة شروط التعدد بما يضمن حماية أكبر للحقوق الأسرية، تعزيز مبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين، تبسيط مساطر الطلاق والوساطة الأسرية، وتطوير آليات الصلح وتقوية دور الوساطة الاجتماعية والقضائية. كما من المتوقع أن تراعي هذه المراجعة التوازن بين المرجعية الدستورية للمملكة والتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما يضمن تحديث النص القانوني دون الإخلال بثوابت المجتمع المغربي.
لا تقتصر الرهانات التشريعية على مدونة الأسرة فقط، بل تشمل مشاريع قوانين أخرى مهمة، من بينها مراجعة المنظومة الجنائية، تأطير مهن العدالة مثل المحاماة والخبراء القضائيين، تحديث الإطار القانوني المنظم لخطة العدالة (العدول)، مراجعة النصوص المرتبطة بالتعمير وإعداد التراب، وتأطير وتنظيم المجلس الوطني للصحافة.
ومن المرتقب أن تشهد قبة البرلمان نقاشات سياسية حادة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، خاصة في ظل الانتقادات التي وجهتها فرق المعارضة للحكومة بخصوص ما تعتبره تسريعا في وتيرة تمرير النصوص القانونية في نهاية الولاية، دون فتح نقاش عمومي كاف حول مضامينها وآثارها. في المقابل، تؤكد الأغلبية الحكومية أن الدينامية التشريعية الحالية تهدف إلى استكمال الأوراش الإصلاحية المفتوحة منذ بداية الولاية، مشيرة إلى أن الحصيلة تشمل نصوصا اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية مهمة عززت مناخ الاستثمار وساهمت في تحديث الإدارة وترسيخ استقلالية السلطة القضائية.
وفي هذا الإطار، أكد رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، أن المجلس صادق خلال الدورة الماضية على 27 مشروع قانون، منها نصوص مرتبطة بالمنظومة الانتخابية المؤطرة لانتخابات أعضاء مجلس النواب لسنة 2026، إلى جانب قوانين اقتصادية ومالية تهم الادخار والاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز حكامة منظومة العدالة.
مع ضغط الزمن التشريعي واحتدام التنافس السياسي المرتبط بالاستحقاقات المقبلة، يبقى الرهان الأساسي أمام المؤسسة التشريعية هو إنتاج نصوص قانونية متوازنة وفعالة، تستجيب لمتطلبات المرحلة، تواكب التحولات المجتمعية والاقتصادية، وتكرس الثقة في العمل المؤسساتي، في سياق سياسي يتجه تدريجيا نحو العد العكسي لمحطة انتخابية حاسمة سنة 2026.

التعليقات مغلقة.