أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الذهان: عندما يصبح الواقع غير واضح

الذهان ليس جنونًا كما يظن الكثيرون، بل هو حالة نفسية وعقلية يفقد فيها الشخص اتصاله بالواقع. بمعنى آخر، المريض لا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو أفكار أو تصورات داخلية في ذهنه. وهذا لا يعني أن عقله “توقف”، بل أن الواقع الذي يعيشه مختلف تمامًا عن واقع الآخرين.

بمعنى أدق، يعيش المريض واقعًا يبدو له حقيقيًا بالكامل، لكنه يختلف عن الواقع الذي يعيشه من حوله. هنا تكمن صعوبة المرض وسوء الفهم الذي يحيط به.

ما هو الذهان طبيًا؟

الذهان هو عرض أو متلازمة تظهر في عدة اضطرابات نفسية أو عضوية، ويتميز باضطراب عميق في التفكير والإدراك والسلوك. المريض لا “يمثل”، ولا يتعمد التصرف بطريقة غريبة، بل يعيش تجربة داخلية تبدو له منطقية تمامًا.

الخلل لا يكون في الذكاء، بل في تفسير الواقع.

كيف يظهر الذهان؟

تتعدد أعراض الذهان، وقد تظهر مجتمعة أو متفرقة، ومن أبرزها:

1. الهلوسات: عندما يسمع أو يرى ما لا يراه الآخرون

الهلوسة هي إدراك حسي دون وجود مثير خارجي حقيقي.
أكثرها شيوعًا الهلوسات السمعية، حيث يسمع المريض أصواتًا تتحدث إليه أو عنه، أحيانًا تنتقده أو تأمره بفعل أشياء معينة.

كما قد تكون الهلوسات بصرية (رؤية أشخاص أو ظلال)، أو شمية (شم روائح غير موجودة)، أو حسية (الإحساس بلمسات أو حركات على الجلد).

الخطورة تظهر خصوصًا عندما تكون الأصوات آمِرة أو محرضة على إيذاء النفس أو الآخرين.

2. الضلالات: أفكار راسخة لا تقبل النقاش

الضلالة هي اعتقاد خاطئ وثابت، لا يتغير رغم وجود أدلة واضحة تناقضه.
من الأمثلة الشائعة:

الاعتقاد بأن الآخرين يراقبونه أو يتآمرون عليه.

الاعتقاد بامتلاك قدرات خاصة أو رسالة عظيمة.

الشعور بأن هناك من يريد إيذاءه دون دليل.

المريض لا يشك في هذه الأفكار، لأنها بالنسبة له حقيقة مطلقة.

3. اضطراب التفكير والكلام

قد يبدو كلام المريض غير مترابط، أو ينتقل من فكرة إلى أخرى دون رابط منطقي. أحيانًا يصعب فهم ما يقوله، أو يستعمل كلمات في غير سياقها.

هذا الاضطراب يعكس خللًا في تنظيم الأفكار وليس ضعفًا في الذكاء.

4. تغيرات في السلوك

قد يظهر الذهان من خلال تصرفات غير مألوفة:

ضحك أو حديث مع النفس.

انعزال شديد.

إهمال النظافة والمظهر.

تصرفات غير مناسبة للزمان أو المكان.

هذه السلوكيات غالبًا ما تكون نتيجة مباشرة للهلوسات أو الضلالات التي يعيشها المريض.

فقدان البصيرة… العرض الأخطر

من أبرز سمات الذهان فقدان البصيرة، أي أن المريض لا يعترف بمرضه، ويرى أن المشكلة في الآخرين.
هذا ليس عنادًا أو تكبرًا، بل جزء من الاضطراب نفسه، ويجعل طلب العلاج أكثر تعقيدًا.

ما أسباب الذهان؟

الذهان لا يظهر من فراغ، بل يرتبط بأسباب متعددة، منها:

اضطرابات نفسية مثل الفصام.

الاضطراب ثنائي القطب خلال بعض النوبات.

تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية.

بعض الحالات الطبية أو استعمال أدوية بطريقة خاطئة.

ذهان حاد مؤقت قد يظهر بعد صدمة نفسية قوية أو ضغط شديد أو حتى بعد الولادة.

هل الذهان قابل للعلاج؟

نعم. الذهان مرض قابل للتشخيص والعلاج.
العلاج يعتمد على الأدوية المضادة للذهان، إضافة إلى المتابعة النفسية والدعم الأسري والاجتماعي.

التدخل المبكر يحدث فرقًا كبيرًا في مسار المرض، وكلما بدأ العلاج في وقت أبكر، كانت فرص التحسن أفضل.

بين الوصمة والفهم

أحد أكبر التحديات التي يواجهها مرضى الذهان هو الوصمة الاجتماعية.
الذهان ليس سحرًا، وليس مسًا، وليس ضعف إيمان. إنه حالة طبية معروفة، لها تفسير علمي وعلاج واضح.

الفهم الصحيح لا يساعد فقط المريض، بل يحمي أسرته ومجتمعه من سوء التقدير وسوء التعامل.

 

ختاما، الذهان ليس نهاية الحياة، بل بداية رحلة علاج تحتاج إلى وعي، وصبر، ودعم.
عندما يتغير التفكير بشكل مفاجئ، أو يظهر كلام غير معتاد، أو تصرفات غريبة متكررة، فإن اللجوء إلى طبيب نفسي ليس ضعفًا، بل خطوة شجاعة نحو التعافي.

التعليقات مغلقة.