أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الصحافة المهنية بين أزمة الممارسة وضرورة أخلاقيات المهنة

مصطفى الوادي

أصبحت مهنة الصحافة خلال السنوات الأخيرة تعرف تحولات كبيرة بفعل الثورة الرقمية، وسهولة الولوج الى وسائل النشر والتواصل الإجتماعي، وإذ كان هذا التحول قد فتح المجال أمام تعدد المنابر وتوسيع دائرة الوصول الى الخبر، فإنه في المقابل أفرز ممارسات دخيلة أساءت الى صورة الصحافة ،خاصة على المستوى المحلي،

فالعمل الصحفي ليس حمل هاتف نقال او القيام ببث مباشر، بل هو مهنة قائمة على التكوين الأكاديمي، والمعرفة القانونية، والقدرة على التواصل، وإتقان اللغات، واحترام أخلاقيات المهنة، كما أن الصحفي المهني ليس بالبطاقة بل بالاحترافية والمهنية في الكتابة او التغطية، وملم بقواعد التحرير الصحفي، وتقنيات إجراء الحوار، والتثبت من المعطيات قبل نشرها ، مع الفصل بين الخبر والرأي، واحترام حق الرد، وعدم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص،

وتتطلب مهنة الصحافة تكوينا متخصصا، سواء في الصحافة المكتوبة أو السمعية أو المرئية أو الإلكترونية، إلى جانب امتلاك حد أدنى من الثقافة العامة، وإتقان لغتين على الأقل، مع التمكن من لغة التخصص،

فالصحفي الذي يحضر ندوة أو لقاء رسميا يمثل منبره الإعلامي، ويعكس من خلال أسلوبه وصياغته ومستوى تدخله صورة المؤسسة التي ينتمي إليها، بل وصورة الجسم الصحفي ككل،

وقد كشفت بعض الوقائع التي عرفتها مدينة مراكش، وآخرها ما حدث على هامش الدورة الأربعين للجائزة الكبرى لدوري الحسن الثاني للتنس ، حجم الخلل الذي بدأ يطبع بعض الممارسات داخل القطاع،

كما أن خلال الندوة الصحفية التي نظمت مساء يوم السبت 04 ابريل الجاري بمناسبة توقيع شراكة بين النادي الملكي للتنس وشركة ، Mercure internationale of Morocco بحضور ممثلين عن الجامعة الملكية المغربية للتنس و مسؤولي النادي، وعدد من الفاعين الرياضيين، والإعلاميين، تحولت لحظة فتح باب الأسئلة الى مشهد أثار استغراب الحاضرين، فقد برز ضعف واضح في طريقة طرح السؤال، سواء من حيث اللغة أو الأسلوب أو القدرة على التعبير، وهو ما أعاد الى الواجهة النقاش حول مدى توفر بعض من يقدمون أنفسهم كصحفيين أو إعلاميين، على الحد الأدنى من شروط المهنة، ولم يكن الأمر متعلقا بخطإ لغوي عابر، بقدر ماكان مؤشرا على غياب التكوين، وضعف التأهيل، وعدم الإلمام بقواعد التواصل المهني داخل الفضاءات الرسمية، واذا كان من حق أي شخص التعبير عن رأيه وإنشاء منصة إعلامية، فإن العمل الصحفي المهني يظل خاضعة لضوابط من بينها ،احترام الحقيقة والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، التحلي بالموضوعية والإبتعاد عن الإثارة أو تصفية الحسابات، احترام اللغة المستعملة، باعتبارها أداة الصحفي الأساسية عدم انتحال صفة صحفي أو الانتساب الى منابر إعلامية دون سند قانوني احترام الأشخاص والمؤسسات أثناء التغطيات والندوات، التمييز بين الرأي والخبر، وبين العمل الإعلامي الجاد، وصناعة الفرجة ، والالتزام بميثاق أخلاقيات المهنة كما هو منصوص عليه في القوانين المنظمة للصحافة والنشر،

إن الأزمة التي تعيشها بعض مكونات الصحافة المحلية لا ترتبط فقط بالأشخاص، بل أيضا بغياب آليات حقيقية للفرز بين الصحفي المهني ومنتحل الصفة لذلك أصبحت الحاجة ملحة الى وضع معايير موصوغية وواضحة من طرف الجهات المنظمة للأنشطة والندوات، حتى لا تتحول الفضاءات الرسمية الى مجال للفوضى والإساءة الى صورة الإعلام،

كما أن المسؤولية تقع كذلك على عاتق المجلس الوطني للصحافة ، من خلال تشديد شروط البطاقة المهنية، وفتح المجال أمام الكفاءات و خريجي الجامعات والمعاهد العليا ، وعدم إقصاءهم بحجة عدم الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، علما ان بعضهم منخرط في أحد صناديق التقاعد،
بل إعتماد معايير مرتبطة بالمستوى الثقافي بدل الإرتباط الشكلي بمؤسسة إعلامية، والكفاءة اللغوية، والتكوين الصحفي ، وجودة الإنتاج الإعلامي،

الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة أو وسيلة للاسترزاق، وهي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للظهور أو البحث عن الامتيازات، لذلك فإن حماية القطاع تقتضي إعادة الاعتبار للصحفي الجاد والمتمكن، وتشجيع التكوين المستمر، ومواجهة كل أشكال الدخلاء اللذين يسيئون الى صورة الصحافة المحلية، والى مدينة مراكش التي تستحق إعلاما في مستوى مكانتها،

ويبقى الرهان الأساسي اليوم، هو بناء صحافة محلية جادة، تحترم عقل القارئ، وتلتزم بالحقيقة، وتدافع عن المصلحة العامة بعيدا عن الرداءة والإرتجال.

التعليقات مغلقة.