جريدة أصوات | قسم الصحة والمجتمع الرباط – 31 أكتوبر 2026 خلف الأبواب المغلقة، وفي بيوت كثيرة، توجد معاناة لا يجرؤ أصحابها على الحديث عنها، رغم تأثيرها المباشر على الحياة الزوجية والاستقرار النفسي والعاطفي. إنها مشكلات الصحة الجنسية، التي ما تزال في مجتمعاتنا محاطة بالصمت والخجل، حتى أصبح الحديث عنها لدى البعض أمراً محرجاً، بينما يفضل آخرون تحمل الألم والقلق بدل التوجه إلى الطبيب وطلب المساعدة. ويعد العجز عن ممارسة العلاقة الجنسية، أو ما يعرف طبياً باضطرابات الوظيفة الجنسية، من المشكلات التي قد تصيب الرجال والنساء، وتتخذ أشكالاً مختلفة؛ فقد يتعلق الأمر بصعوبة الانتصاب أو الحفاظ عليه لدى الرجل، أو ضعف الرغبة الجنسية، أو اضطرابات القذف، أو الألم أثناء العلاقة، أو صعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية لدى النساء والرجال. ومن الضروري التمييز بين ضعف الرغبة الجنسية والعجز عن تحقيق الانتصاب، لأن لكل حالة أسباباً مختلفة، وقد يحتاج كل منها إلى تشخيص وعلاج خاصين. وتتعدد الأسباب التي تقف وراء هذه المشكلات، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد. فمن الناحية الجسدية، قد يرتبط ضعف الانتصاب بأمراض السكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول، واضطرابات الدورة الدموية، وأمراض القلب، وبعض الاضطرابات العصبية والهرمونية. كما يمكن أن تؤثر بعض الأدوية، خصوصاً أدوية الاكتئاب وضغط الدم، في الرغبة أو الأداء الجنسي. أما من الناحية النفسية، فيمكن للقلق المستمر والاكتئاب والإجهاد والخوف من الفشل أثناء العلاقة أن تؤثر بشكل واضح في الاستجابة الجنسية. وقد يدخل الشخص في دائرة مغلقة؛ إذ تؤدي تجربة فاشلة إلى الخوف من تكرارها، ثم يتحول الخوف نفسه إلى عامل يزيد المشكلة تعقيداً. ولا يمكن إغفال تأثير الخلافات الزوجية وغياب التواصل العاطفي وفقدان الثقة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الإرهاق وقلة النوم وبعض التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر. وفي حالات كثيرة، تتداخل الأسباب الجسدية والنفسية معاً، ما يجعل التشخيص الطبي ضرورياً قبل إصدار أي حكم. وفي المقابل، تعاني نساء أيضاً من مشكلات لا تقل أهمية، من بينها انخفاض الرغبة الجنسية، والجفاف المهبلي، والألم أثناء العلاقة، وهي حالات قد ترتبط بالتغيرات الهرمونية أو الحمل والولادة والرضاعة أو مرحلة انقطاع الطمث، كما قد تتأثر بالحالة النفسية وطبيعة العلاقة الزوجية وبعض الأمراض والأدوية. لكن الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف لا يرتبط بالطب وحده، بل بثقافة الصمت التي تحيط بالصحة الجنسية. فكثير من الأشخاص يخشون الاعتراف بالمشكلة، خوفاً من السخرية أو الانتقاص من قيمتهم أو اتهامهم بالعجز، بينما تتردد نساء في التعبير عن الألم أو غياب الرغبة خشية سوء الفهم أو تحميلهن المسؤولية. وهنا يتحول الطابوه الاجتماعي إلى عائق أمام العلاج، وقد يدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن حلول عشوائية عبر الإنترنت أو استعمال أدوية ومنشطات مجهولة المصدر، دون معرفة أسباب المشكلة أو مخاطر تلك المنتجات. وتحذر المراجع الطبية من التعامل مع ضعف الانتصاب المتكرر باعتباره مجرد مشكلة عابرة أو علامة مرتبطة بالعمر؛ فقد يكون أحياناً مؤشراً على اضطرابات في الأوعية الدموية أو أمراض تحتاج إلى تقييم مبكر. لذلك فإن زيارة الطبيب، سواء كان طبيباً عاماً أو مختصاً في المسالك البولية أو الغدد أو الصحة الجنسية، خطوة مهمة لتحديد السبب واختيار العلاج المناسب. كما أن تناول المنشطات الجنسية دون استشارة طبية قد يشكل خطراً، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يستعملون أدوية معينة للقلب أو يعانون من أمراض مزمنة. ولا ينبغي التوقف عن دواء موصوف أو تغيير جرعته بسبب تأثير جنسي محتمل دون الرجوع إلى الطبيب. وتختلف طرق العلاج حسب طبيعة الحالة؛ فقد تشمل ضبط الأمراض المزمنة، ومراجعة الأدوية، وتحسين نمط الحياة والنوم والنشاط البدني، أو الاستعانة بالعلاج النفسي والزوجي، وقد تكون هناك أدوية أو تدخلات طبية مناسبة بعد التشخيص. إن فتح النقاش حول الصحة الجنسية لا يعني تجاوز الخصوصية أو نشر تفاصيل الحياة الحميمة، بل يعني الاعتراف بأن هذه المشكلات جزء من الصحة العامة، وأن طلب المساعدة الطبية ليس عيباً ولا انتقاصاً من الرجولة أو الأنوثة. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل المجتمع: لماذا يستطيع الإنسان الحديث عن أمراض القلب والسكري والضغط، بينما يشعر بالخجل عندما يتعلق الأمر بصحته الجنسية، رغم أن المعاناة قد تكون حقيقية وتحتاج إلى علاج؟ إن كسر جدار الصمت يبدأ بالتوعية، وباحترام خصوصية الأشخاص، وبإشاعة ثقافة الحوار بين الزوجين، وتوفير معلومات طبية موثوقة بعيداً عن الشعوذة والاستغلال التجاري. فالصحة الجنسية ليست امتيازاً ولا موضوعاً للسخرية، بل جزء من الصحة الجسدية والنفسية وجودة الحياة.
التعليقات مغلقة.