أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

العنف ضد الرجال بالمغرب.. معاناة في صمت

بقلم الأستاذ محمد عيدني

لا ينبغي أن يظل النقاش حول ظاهرة العنف داخل المجتمع المغربي محصوراً في اتجاه واحد، أو أن يتحول الدفاع عن حقوق المرأة إلى إغفال معاناة فئة أخرى قد تتعرض بدورها لمختلف أشكال الاعتداء، ويتعلق الأمر بالرجال. فالعنف، بصرف النظر عن هوية مرتكبه أو ضحيته، يظل سلوكاً مرفوضاً وانتهاكاً صريحاً للكرامة الإنسانية، ولا يمكن تبريره بالاختلاف بين الجنسين أو بطبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية.

وفي الوقت الذي يحظى فيه العنف ضد النساء باهتمام متزايد من طرف المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام والهيئات المدنية، لا يزال العنف ضد الرجال موضوعاً محدود الحضور في النقاش العمومي بالمغرب، رغم وجود حالات تتعرض فيها هذه الفئة للعنف الجسدي والنفسي واللفظي والاقتصادي، سواء داخل الأسرة أو في محيطها الاجتماعي.

وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات مهمة حول مدى قدرة المجتمع على التعامل مع جميع ضحايا العنف بالمنطق الحقوقي نفسه، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

معاناة الرجال.. صمت تفرضه القيود الاجتماعية والخوف من الوصم

يجد عدد من الرجال الذين يتعرضون للعنف صعوبة في الإفصاح عما يعيشونه، بسبب اعتبارات اجتماعية وثقافية تجعل الاعتراف بالضعف أو طلب الحماية أمراً محاطاً بالخجل والسخرية والتشكيك.

فالصورة التقليدية التي تربط الرجولة بالقوة والقدرة على التحمل تدفع بعض الضحايا إلى إخفاء معاناتهم، وتجنب اللجوء إلى المؤسسات المختصة، خوفاً من نظرة المجتمع أو من اعتبار الشكوى انتقاصاً من مكانتهم ورجولتهم.

ولا تقتصر هذه المعاناة على الاعتداء الجسدي، بل تشمل أيضاً السب والإهانة والإذلال المتكرر والتهديد والابتزاز النفسي والضغط المالي، فضلاً عن بعض الممارسات المرتبطة بالخلافات الأسرية والزوجية، ومنها التهديد بحرمان الأب من أبنائه.

وتبقى خطورة هذه الممارسات مرتبطة كذلك بتداعياتها النفسية والاجتماعية، خصوصاً عندما يجد الضحية نفسه عاجزاً عن التعبير عن معاناته أو طلب المساعدة دون التعرض للأحكام المسبقة.

الصور النمطية حول الرجولة تعيق الاعتراف بالضحايا

من بين أبرز العوامل التي تجعل العنف ضد الرجال أقل ظهوراً في النقاش المجتمعي استمرار تصورات تقليدية تعتبر الرجل دائماً الطرف الأقوى، والمرأة الطرف الأضعف في العلاقات الأسرية والاجتماعية.

غير أن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، إذ لا يمكن تحديد الضحية أو المعتدي انطلاقاً من الجنس وحده، بل يتعين النظر إلى طبيعة السلوك المرتكب والوقائع والظروف المحيطة بكل حالة.

وقد يكون الرجل ضحية للعنف داخل العلاقة الزوجية، كما يمكن أن تكون المرأة ضحية له، وهو ما يستدعي التعامل مع كل واقعة وفق معايير موضوعية وقانونية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة.

وفي هذا السياق، فإن تسليط الضوء على معاناة الرجال لا يعني التقليل من خطورة العنف الممارس ضد النساء، ولا الدخول في منافسة بين الضحايا، وإنما يهدف إلى ترسيخ مبدأ حقوقي أساسي يقوم على أن الحماية من العنف والاعتداء حق مكفول لكل إنسان.

الحماية القانونية في المغرب.. بين النصوص وإشكالية الإنصاف

على المستوى القانوني، يشكل القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء إطاراً تشريعياً خاصاً يروم تعزيز حماية النساء من مختلف أشكال العنف.

أما الرجال الذين يتعرضون للاعتداء، فيمكنهم الاستناد إلى المقتضيات العامة الواردة في القانون الجنائي المغربي، بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة، سواء تعلق الأمر بالضرب والجرح أو التهديد أو السب والقذف أو غيرها من الأفعال التي قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

لكن الإشكال لا يرتبط بالنصوص القانونية وحدها، بل يتجاوزها إلى مدى قدرة الضحايا على التبليغ عن الاعتداءات التي يتعرضون لها، والحصول على المواكبة النفسية والاجتماعية، والاستفادة من الإنصاف القضائي دون خوف من الوصم أو التشكيك في مصداقية معاناتهم.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: لماذا لا يحظى الرجل الذي يتعرض للعنف الجسدي أو النفسي بالإنصات والاهتمام نفسيهما باعتباره مواطناً له حقوق وكرامة تستوجب الحماية؟

إن العدالة لا تكتمل بمجرد وجود النصوص القانونية، بل تتطلب أيضاً توفير شروط الولوج إليها، وضمان التعامل الجدي مع الشكايات، وتكريس مبدأ عدم التمييز بين الضحايا.

الإعلام والمجتمع المدني.. مسؤولية توسيع دائرة النقاش

يبرز دور وسائل الإعلام في تسليط الضوء على هذه الظاهرة باعتبارها قضية اجتماعية وحقوقية تستحق النقاش المسؤول، بعيداً عن الإثارة أو استغلال معاناة الضحايا في تأجيج الخلافات بين الجنسين.

كما تقع على عاتق المؤسسات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني مسؤولية توسيع دائرة اهتمامها لتشمل مختلف ضحايا العنف، والعمل على توفير فضاءات آمنة للاستماع والتبليغ والمواكبة، مع ضمان احترام الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويقتضي ذلك أيضاً تعزيز الوعي المجتمعي بأن طلب الحماية ليس علامة ضعف، وأن الاعتراف بالتعرض للعنف لا ينتقص من قيمة الإنسان أو مكانته داخل المجتمع.

كما أن نشر ثقافة الحوار والاحترام المتبادل داخل الأسرة، وتطوير آليات الوساطة والمواكبة الاجتماعية والنفسية، من شأنه الإسهام في الحد من مختلف أشكال العنف والتوتر داخل العلاقات الإنسانية.

خاتمة: الكرامة الإنسانية لا تقبل التمييز بين الجنسين

إن بناء مجتمع مغربي متوازن ومنصف لا يتحقق بالدفاع عن حقوق فئة على حساب أخرى، وإنما من خلال ترسيخ ثقافة المساواة والاحترام المتبادل، وضمان الحماية القانونية والاجتماعية لكل شخص يتعرض للاعتداء أو الإهانة أو الإذلال.

فليس من المقبول أن يُطلب من الرجل الصمت لأنه رجل، كما لا يجوز أن تُجبر المرأة على تحمل العنف أو السكوت عنه لأنها امرأة.

إن مواجهة العنف مسؤولية جماعية، ولا يمكن أن تكون ناجعة ما لم تشمل جميع الضحايا دون استثناء، وتستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية.

فالعنف ليس رجولة ولا أنوثة، والكرامة ليست امتيازاً مرتبطاً بجنس دون آخر. والعدالة الحقيقية تبدأ عندما يصبح كل ضحية جديراً بالإنصات والحماية والإنصاف.

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

التعليقات مغلقة.