دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، اليوم الاثنين، حيز التنفيذ، ليضع حداً لأزيد من خمسة عقود من العمل بالنص السابق، ويفتح مرحلة جديدة في تنظيم إجراءات التقاضي وتدبير الدعاوى وتنفيذ الأحكام داخل محاكم المملكة.
ويأتي هذا التحول التشريعي بعد سنوات من النقاش حول ضرورة تحديث قواعد المسطرة المدنية، في ظل الإشكالات التي أفرزها التطبيق العملي للنظام السابق، خصوصاً ما يتعلق بطول الإجراءات وتعقيدها، وصعوبات التبليغ والتنفيذ، إلى جانب الحاجة إلى مواكبة التحول الرقمي الذي تعرفه منظومة العدالة.
ويهدف القانون الجديد إلى جعل المسطرة القضائية أكثر بساطة ونجاعة، من خلال إعادة ترتيب عدد من القواعد المؤطرة للدعوى، وتدقيق الاختصاصات، وتنظيم طرق الطعن، وتعزيز آليات تنفيذ الأحكام، فضلاً عن الحد من الممارسات التي من شأنها إطالة أمد النزاعات دون مبرر.
ومن أبرز المستجدات التي حملها القانون، تعزيز دور النيابة العامة في حماية النظام العام داخل الخصومة المدنية، إذ أصبح بإمكانها الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بالنظام العام، حتى عندما لا تكون طرفاً في الدعوى الأصلية، وفق الشروط التي حددها المشرع.
كما أقر النص الجديد آليات لمواجهة التقاضي التعسفي، من خلال تمكين المحكمة من الحكم بالتعويض عندما يثبت استعمال حق التقاضي بصورة تعسفية، إلى جانب فرض غرامات مالية في حالات معينة مرتبطة بالطعن أو التعرض، متى تبين أن الغاية منهما هي المماطلة أو عرقلة تنفيذ الأحكام.
وفي مجال الاختصاص، أعاد القانون ترتيب عدد من القواعد، مع توحيد المساطر المتعلقة بقضاء القرب ضمن إطار قانوني واحد، وتكريس تنظيم يقوم على وحدة القضاء والتخصص. كما حدد اختصاصات المحاكم الابتدائية في القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، مع إسناد المنازعات التجارية والإدارية إلى الأقسام المتخصصة داخل هذه المحاكم بحسب طبيعة كل قضية.
أما المنازعات التي تتضمن عنصراً دولياً، فقد خصها القانون بقواعد أكثر تحديداً بشأن اختصاص القضاء المغربي، بما يوفر إطاراً قانونياً أوضح للنزاعات العابرة للحدود، ويعزز، وفق التوجه العام للنص، الأمن القانوني وجاذبية المملكة للاستثمار.
وشملت المستجدات أيضاً إجراءات تقييد الدعاوى والمساعدة القضائية، حيث حدد القانون البيانات الواجب تضمينها في سجل القضايا، من قبيل أسماء الأطراف ومحاميهم عند الاقتضاء، وموضوع الدعوى وتاريخ الاستدعاء. كما نص، في ما يتعلق بالمساعدة القضائية، على توجيه مقال استئناف مقرر الرفض إلى محكمة الدرجة الثانية داخل أجل ثمانية أيام، وفق الشروط والمقتضيات القانونية.
ويحتل الصلح مكانة بارزة في التصور الجديد للمسطرة المدنية، بعدما عزز القانون دور المحكمة في تشجيع الحلول الودية للنزاعات، وأتاح لها عرض الصلح تلقائياً في أي مرحلة من مراحل الدعوى. ويتم إثبات الصلح في حكم غير قابل للطعن، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها قانوناً.
ويشكل التحول الرقمي أحد أبرز ملامح القانون الجديد، إذ أتاح إيداع المقالات والمذكرات والطعون إلكترونياً، واعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل اللامادي للوثائق، مع وضع ضمانات تتعلق بحماية البيانات الشخصية والحجية القانونية للإجراءات الرقمية.
وامتد هذا التحول إلى مسطرة التبليغ، من خلال إقرار التبليغ الإلكتروني ومنح المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين حجيتها القانونية، فضلاً عن اعتماد البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع احتياطي عند تعذر التبليغ بالعنوان المصرح به. كما ألزم القانون أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، بينما منح الأشخاص الذاتيين والمعنويين في القطاع الخاص إمكانية اختيار هذا النمط من التبليغ.
وفي القضاء الاستعجالي، أتاح النص الجديد إمكانية البت دون استدعاء الخصم في حالات الاستعجال القصوى، وحدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوماً، في خطوة تروم تسريع البت في القضايا التي تستدعي تدخلاً قضائياً عاجلاً.
ولم تقتصر الإصلاحات على مرحلة إصدار الأحكام، بل امتدت إلى مرحلة التنفيذ، من خلال تعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ، وإمكانية الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، فضلاً عن إمكانية إجراء عمليات البيع عبر منصة إلكترونية.
وقبيل دخول القانون حيز التنفيذ، صدرت دوريات عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة، تضمنت توجيهات وتوضيحات بشأن عدد من المستجدات التي يتعين مراعاتها عند تطبيق المقتضيات الجديدة.
وبدخول القانون رقم 58.25 حيز التنفيذ، تكون منظومة العدالة المغربية أمام مرحلة جديدة تسعى إلى الجمع بين تبسيط المساطر وتسريع البت في النزاعات، وتعزيز فعالية تنفيذ الأحكام، وتوسيع نطاق الرقمنة، بما يجعل إصلاح المسطرة المدنية أحد أبرز التحولات التي تعرفها العدالة بالمملكة.

التعليقات مغلقة.