أبرمت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة اتفاقيات شراكة إعلامية مع نظيراتها في السنغال ومالي وبنين. لا تأتي هذه الخطوة فقط في سياق الاستعدادات التقنية لتغطية نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025 (كان 2025)، التي تستضيفها المملكة، بل تحمل في طياتها أبعادًا أعمق، تهدف إلى إعادة رسم خريطة الإعلام القاري وتحرير سرديته من الاحتكار الخارجي.
بحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الاتفاقيات، التي تمت بتدخل دبلوماسي رفيع، تتعدى مفهوم التبادل الإعلامي التقليدي. فجوهرها يتمثل في توفير دعم لوجستي وتقني كامل للقنوات الإفريقية الشريكة. هذا الدعم يشمل تزويدها بالمعدات التقنية المتطورة وتسهيلات البث المباشر، ويمتد ليشكل سابقة قارية بتقديم تسهيلات إدارية ولوجستية شاملة لضمان حركة سلسة للمراسلين والإعلاميين الأفارقة عبر المدن المغربية المستضيفة للبطولة. بذلك، تتحول المملكة من مجرد مضيف إلى شريك فاعل في تمكين الإعلام الإفريقي ميدانيًا.
الأبعاد الاستراتيجية: من المركز الإعلامي إلى الشراكة الموحدة
تُقرأ هذه المبادرة على مستويين رئيسيين:
البعد التقني والإعلامي: تسعى المغرب من خلالها إلى ترسيخ مكانتها كمركز إفريقي رائد للإنتاج والتوزيع الإعلامي، في نموذج عملي للتعاون “جنوب-جنوب”. وهي خطوة لتعزيز الكفاءة المهنية والتغطية الاحترافية للحدث القاري، مما ينعكس إيجابًا على صورة البطولة وجمهورها.
البعد الدبلوماسي والسياسي: يعكس هذا التحرك إرادة المملكة في توطيد دورها كشريك استراتيجي موثوق وقادر على القيادة في القارة. إنه استثمار في الرأسمال الناعم والعلاقات الثنائية، يؤكد أن الدعم المقدم ليس منّة، بل استثمار في مستقبل إعلام إفريقي موحد وقوي، قادر على صياغة روايته الخاصة بعيدًا عن الهيمنة الغربية التي طالما سيطرت على سرد الأحداث الكبرى في القارة.
السياق والتوقعات: نموذج في زمن التبعية
تأتي هذه المبادرة في وقت يعاني فيه المشهد الإعلامي في العديد من الدول الإفريقية من تبعية تقنية ومالية للقوى الخارجية. لذا، تبرز كمثال نادر للتعاون المتكافئ بين أشقاء، يضع الكفاءة والمصلحة المشتركة في المقدمة.
من المرتقب أن تساهم هذه الشراكات في تحويل “كان 2025” من منافسة رياضية بحتة إلى مناسبة قارية شاملة، تجمع بين الرياضة والدبلوماسية والثقافة. ستكون محطة لإبراز وحدة القارة وتنوعها من خلال عدسة إعلامية إفريقية خالصة.

التعليقات مغلقة.