تدخل موازنة المغرب لسنة 2026 مرحلة حاسمة من النقاشات، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، وتحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي المغربي سامي أمين أن جوهر نجاح الحكومة في بلوغ توازناتها المالية لا يكمن فقط في الالتزام بالأرقام المعلنة، بل في مرونة التدبير وقدرة الدولة على التفاعل السريع مع المتغيرات الخارجية.
مرونة أكثر من التخطيط
أمين يؤكد أن قوة الحكومة ليست في صياغة خطط محكمة بقدر ما هي في قدرتها على تكييف تلك الخطط مع الصدمات المفاجئة، سواء كانت مرتبطة بأسعار الطاقة، أو بتباطؤ النمو في أوروبا، أو بتقلبات السوق العالمية للحبوب. ويعتبر أن تحقيق أهداف الموازنة يتطلب إصلاحات عميقة في الحكامة وجودة الخدمات وربط القطاعات الاقتصادية ببعضها.
الزراعة والاستثمار.. محركات اقتصادية مركزية
ويضع الخبير الزراعة في قلب الرهانات، معتبرًا أن موسمًا مطريًا جيدًا كفيل بتحريك العجلة الاقتصادية وجرّ قطاعات الصناعة والخدمات والنقل نحو تحسن ملموس. إلى جانب ذلك، فإن المشاريع الكبرى—من الطاقات المتجددة إلى الموانئ والقطار فائق السرعة—تمثل رافعة استثمارية ذات تأثير مضاعف على فرص الشغل والإنتاج.
كما يراهن أمين على استمرار الطلب الداخلي كعامل دعم للاقتصاد، رغم الضغوط التضخمية، معتبرًا أن سياسات التشغيل والدعم الاجتماعي المباشر تسهم في الحفاظ على دينامية الاستهلاك.
تحديات مرتبطة بالخارج
تباطؤ النمو في أوروبا وأزمات الطاقة العالمية يشكلان أبرز العقبات أمام تنفيذ الموازنة. ويشدد أمين على ضرورة تنويع الشركاء التجاريين وتوسيع الحضور الاقتصادي نحو أسواق جديدة، بما في ذلك الاقتصاد البحري الذي يفتح آفاقًا واعدة للصادرات المغربية.
التحدي الرباعي
وفي قراءة للتوازنات الاقتصادية، يصف أمين الموازنة بأنها مواجهة لـ”التحدي الرباعي”:
نمو مرتفع، تضخم منخفض، عجز محدود، واستقرار اجتماعي.
ويؤكد أن الجمع بين هذه المتطلبات في آن واحد ليس بالمهمة السهلة، لكنه يظل ممكنًا إذا التزمت الحكومة بإصلاحات بنيوية قادرة على تحسين المرفق العام وتعزيز الشفافية.
التضخم والعجز.. بين التفاؤل والحذر
ترى الحكومة أن التضخم سيستقر عند حدود 2%، وهو مستوى يعكس فعالية السياسة النقدية لبنك المغرب، مدعومًا بانخفاض أسعار الطاقة والحبوب عالميًا. غير أن أي أزمة جيوسياسية قد تعيد الضغط على الأسعار بسرعة.
أما هدف عجز الميزانية في حدود 3% فيبقى مرهونًا بمحاربة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي، فضلًا عن ترشيد النفقات وتوجيه الاستثمار نحو الأولويات ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
البعد الاجتماعي.. اختبار الثقة
تأتي موازنة 2026 في سياق اجتماعي حساس بعد احتجاجات حركة جيل زد 212 المطالبة بإصلاحات في التعليم والصحة ومحاربة الفساد. ويرى أمين أن هذه المطالب تضغط نحو تعجيل برامج التنمية وتقييم فعالية المشاريع الاجتماعية.
ويؤكد أن الموازنة المقبلة ليست مجرد وثيقة مالية، بل امتحان لقدرة الدولة على تحقيق توازن بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية.
آفاق 2026.. تطلع حذر
الحكومة تتوقع نموًا بـ4.6%، بينما يتوقع بنك المغرب نموًا بـ4.4% فقط في 2026، ما يعكس استمرار الضبابية الدولية وتأثر الاقتصاد المحلي بالعوامل المناخية والخارجية.
ورغم الطموح الكبير، يبقى نجاح موازنة 2026 رهنًا بتفاعل السياسات العمومية مع الواقع المتغير، وقدرتها على التحول من إدارة الأزمات إلى قيادة التنمية بشكل مستدام.

التعليقات مغلقة.