أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حماية الطفولة مسؤولية تستدعي الرقابة والمساءلة

جريدة أصوات

أعاد الحكم القضائي الصادر بمدينة الحسيمة، والقاضي بعشر سنوات سجناً نافذاً في حق مسيرة جمعية تربوية، على خلفية قضية تتعلق بهتك عرض طفل، النقاش بقوة حول واقع حماية الطفولة داخل المؤسسات والجمعيات التي تتولى تأطير الأطفال ورعايتهم، ومدى قدرة آليات المراقبة والتدخل على ضمان سلامتهم من مختلف أشكال الاعتداء والاستغلال.
إن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في طبيعة الأفعال التي تناولها الملف القضائي، وإنما تمتد إلى المسألة الأعمق المرتبطة بالثقة التي تضعها الأسر في الجمعيات والمؤسسات التربوية، باعتبارها فضاءات يفترض أن توفر للأطفال الحماية والتوجيه والتربية السليمة. فحين تتحول فضاءات التأطير المفترض أن تكون آمنة إلى موضوع قضايا اعتداء، فإن الأمر يستدعي وقفة جادة تتجاوز حدود الإدانة والاستنكار.
الطفل ليس مجرد ضحية في ملف قضائي، بل إنسان قد تترك فيه الاعتداءات آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، قد تستمر لسنوات طويلة. ولذلك فإن التعامل مع مثل هذه القضايا يجب ألا يقتصر على العقوبة القضائية، رغم أهميتها في تحقيق العدالة والردع، بل ينبغي أن يشمل أيضاً المواكبة النفسية والاجتماعية للضحايا، وضمان عدم تعرضهم للوصم أو الضغط أو إعادة إيذائهم خلال مسار التبليغ والتحقيق.
ومن زاوية تحليلية، تطرح هذه القضية مجموعة من الأسئلة الجوهرية حول طبيعة المراقبة التي تخضع لها الجمعيات التربوية، ومدى توفرها على ضوابط واضحة لاختيار المؤطرين والمشرفين، وآليات استقبال شكايات الأطفال والأسر، فضلاً عن وجود قنوات آمنة وسرية للتبليغ عن أي سلوك مشبوه.
كما أن مسؤولية حماية الأطفال لا يمكن أن تتحملها الأسر وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين السلطات المختصة، والقطاعات الحكومية المعنية، والمؤسسات التعليمية والتربوية، والجمعيات المدنية، ومختلف الفاعلين في مجال حماية الطفولة.
ومن هنا، توجه جريدة أصوات نداءً إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها النيابة العامة، والسلطات المحلية، والقطاعات الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والجهات المشرفة على العمل الجمعوي، من أجل تعزيز آليات المراقبة والتفتيش والتدخل الاستباقي داخل المؤسسات والفضاءات التي تستقبل الأطفال.
كما ندعو إلى إرساء منظومة واضحة للتبليغ عن الاعتداءات، والتعامل الفوري مع الشكايات، وتوفير الحماية القانونية والنفسية للأطفال، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة كلما ظهرت مؤشرات جدية على وجود خطر يهدد سلامتهم.
ولا بد كذلك من إخضاع الجمعيات العاملة في مجال الطفولة لمعايير صارمة في التأطير والتدبير، واعتماد برامج تكوينية إلزامية للمشرفين والمؤطرين حول حقوق الطفل، وطرق الوقاية من العنف والاستغلال، وكيفية التعامل مع الحالات التي تستدعي التدخل العاجل.
إن حماية الطفولة ليست امتيازاً تمنحه المؤسسات للأطفال، بل حق أصيل تضمنه القوانين والمواثيق، ومسؤولية لا تقبل التهاون أو التساهل. فكل طفل يجب أن يجد في المدرسة والجمعية ومركز التأطير فضاءً آمناً، لا مكاناً للخوف أو الاستغلال.
إن قضية الحسيمة ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة شاملة لآليات حماية الأطفال، وليس مجرد خبر عابر ينتهي بانتهاء التغطية الإعلامية. فالعدالة تعاقب الجريمة، لكن الوقاية والمراقبة والتدخل المبكر تمنع تكرار المأساة.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجهات المسؤولة اليوم: كم من فضاء يستقبل الأطفال يحتاج إلى افتحاص ومراقبة؟ وهل تتوفر جميع الجمعيات والمؤسسات التربوية على الضمانات الكافية لحماية القاصرين؟
إن الطفولة أمانة، وأي تقصير في حمايتها مسؤولية تستوجب المساءلة

التعليقات مغلقة.