أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

رمضان بلا دفء… هل فقد المغاربة روح العيد أم أننا فقدنا أنفسنا؟

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

في كل عام، ومع اقتراب نهاية شهر رمضان، يتجدد نفس السؤال في أذهان المغاربة: أين اختفت تلك الروح التي كانت تميز هذا الشهر الفضيل؟ أين ذهبت حرارة اللقاءات العائلية، ودفء “لمة” الأقارب، وصوت الضحكات الذي كان يملأ البيوت والأزقة؟ هل تغيرت الطقوس، أم تغير الإنسان نفسه؟

رمضان، الذي كان مناسبة للتقارب والتسامح وصلة الرحم، يبدو اليوم وكأنه فقد جزءاً من معناه العميق. لم تعد “العزومات” كما كانت، ولا الزيارات العائلية تحمل نفس الحميمية، بل أصبح كثير من الناس يفضلون العزلة أو الاكتفاء بدائرة ضيقة، في وقت كانت فيه موائد الإفطار تجمع الكبير والصغير، القريب والبعيد.

لقد كانت “وزارة الأقارب” – إن صح التعبير – تشتغل بكامل طاقتها في رمضان. كان السؤال عن الأحوال واجباً، والزيارة فرضاً اجتماعياً لا يمكن التهرب منه. أما اليوم، فقد حلت محلها رسائل هاتفية سريعة، أو مكالمات مقتضبة، إن وجدت أصلاً.

فهل نحن أمام تغير طبيعي تفرضه الحياة العصرية، أم أمام تراجع في القيم الاجتماعية؟

لا شك أن وتيرة الحياة المتسارعة، وغلاء المعيشة، وضغوط العمل، كلها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل سلوك الأفراد. فالمواطن الذي أنهكته تكاليف الحياة، لم يعد يملك نفس الطاقة النفسية أو المادية للحفاظ على نفس الطقوس. كما أن التحولات الرقمية جعلت التواصل أسهل شكلاً، لكنه أضعف مضموناً، حيث أصبحت العلاقات افتراضية أكثر منها واقعية.

لكن، في المقابل، لا يمكن تبرير هذا التراجع فقط بالظروف. فهناك جانب يتعلق بتغير الأولويات، وبنوع من “البرود العاطفي” الذي بدأ يتسلل إلى العلاقات الاجتماعية. أصبح البعض ينظر إلى صلة الرحم كعبء، بدل أن تكون مصدر راحة وطمأنينة.

أما العيد، الذي كان تتويجاً لشهر رمضان، فقد فقد بدوره الكثير من بريقه. لم تعد هناك تلك الاستعدادات الجماعية، ولا تلك الفرحة البسيطة التي كانت تسكن القلوب. حتى الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد بشغف، أصبحوا يعيشونه بشكل مختلف، في ظل هيمنة التكنولوجيا وتغير أنماط الترفيه.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل فقد العيد طقوسه؟ بل: هل فقدنا نحن القدرة على الإحساس به؟

فالطقوس لا تختفي من تلقاء نفسها، بل تضعف حين تضعف الروابط التي تغذيها. والمجتمع الذي يفقد دفء علاقاته، يفقد تلقائياً جمال مناسباته.

ورغم هذا التشخيص، لا يمكن القول إن كل شيء انتهى. فما زالت هناك نماذج مضيئة، وأسر تحافظ على تقاليدها، وأشخاص يصرون على إحياء روح رمضان والعيد بكل تفاصيلها. وهذا يعني أن الأمل لا يزال قائماً.

إن استعادة روح رمضان والعيد لا تحتاج إلى إمكانيات مادية بقدر ما تحتاج إلى إرادة إنسانية. تحتاج إلى مبادرة، إلى اتصال، إلى زيارة، إلى كلمة طيبة صادقة. تحتاج إلى أن نعيد الاعتبار لقيمة “القرب”، في زمن أصبح فيه كل شيء سريعاً… إلا المشاعر.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل واحد منا:

هل نحن ضحايا عصر قاسٍ، أم شركاء في صناعة هذا الجفاف العاطفي؟

التعليقات مغلقة.