أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

شباب كتالونيا يختارون الواقعية على المغامرة

جريدة أصوات

تراجعت نزعة الانفصال بين شباب كتالونيا بنحو 20 نقطة مئوية منذ ذروة التصعيد السياسي في عام 2017. فبعد أن كان التأييد يتجاوز 45% في أعقاب الاستفتاء الأحادي الجانب الذي هز إسبانيا، لم يعد اليوم يدعم خيار “الدولة المستقلة” سوى 25% من الفئة الشابة، وفقاً لآخر الدراسات الاجتماعية.

هذا التراجع لم يأت من فراغ، بل هو محصلة لتفاعل معقد من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يضع المشروع الانفصالي أمام مفترق طرق حقيقي، ويبرز تحول الشرائح الواسعة من الشباب نحو خيارات أكثر واقعية واستقراراً داخل إطار الدولة الإسبانية.

شهدت كتالونيا في سبتمبر 2017 تصعيداً سياسياً غير مسبوق، عندما أقر برلمان الإقليم قانوناً للاستفتاء على الانفصال بأغلبية 72 نائباً . وفي أكتوبر من نفس العام، أعلنت الحكومة الكتالونية استقلالاً من جانب واحد بعد استفتاء غير معترف به، مما دفع الحكومة الإسبانية لتفعيل المادة 155 من الدستور، وتعليق الحكم الذاتي للإقليم، وإقالة حكومته المحلية .

كان الشباب في طليعة المؤيدين لهذا الحراك آنذاك، حيث تجاوز تأييدهم للانفصال 45%. لكن المشهد اليوم مختلف جذرياً، حيث تشير الأرقام إلى أن ربع الشباب فقط ما زالوا متمسكين بخيار “الدولة المستقلة”.

خلفت سنوات التوتر بين برشلونة ومدريد إرهاقاً سياسياً واضحاً لدى الشباب. فالعملية الانفصالية واجهت معارضة حازمة من الحكومة الإسبانية، التي اعتبرت الاستفتاء غير دستوري، وحركَت القضاء لتعليقه، ووفرت غطاء للتدخل الشرطي الذي منع وصول الناخبين لمراكز الاقتراع . كما أدى إعلان الاستقلال الأحادي إلى فرض الحكم المباشر على الإقليم، وإصدار مذكرات اعتقال بحق قياداته السياسية، مما وضعهم أمام محاكمات بتهم التمرد .

كشفت الأزمة السياسية عن هشاشة الاقتصاد الكتالوني أمام الصدمات السياسية. ففي أعقاب أزمة 2017، انتقلت شركة مقارها خارج كتالونيا، بما في ذلك مؤسسات مالية كبرى مثل “l” . كما انخفضت حصة كتالونيا من الاستثمار الأجنبي المباشر من 17.5% إلى 12.2% ، في مؤشر واضح على أن عدم الاستقرار السياسي يدفع المستثمرين نحو مناطق أكثر استقراراً.

ويشكل الاقتصاد الكتالوني ركيزة أساسية لإسبانيا، حيث يساهم بنحو 19% من إجمالي الناتج المحلي الإسباني، ويمثل 25.6% من الصادرات، ويجذب 20.7% من الاستثمارات الخارجية . هذه الأهمية الحيوية جعلت من الانفصال مغامرة اقتصادية باهظة التكلفة في نظر الكثير من الشباب.راهن الانفصاليون على دعم المجتمع الدولي، لكن الموقف الدولي جاء معارضاً بشدة، حيث اعتبرت القوى الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمر شأناً إسبانياً داخلياً . وأبدى الاتحاد الأوروبي مخاوفه من أن يستثير انفصال كتالونيا نوازع انفصالية في مناطق أوروبية أخرى، مما يهدد استقرار القارة .

طوال الأزمة، أظهرت استطلاعات الرأي حالة من الغياب للتوفيق داخل الإقليم، حيث خرجت مسيرات مؤيدة للاستقلال، وفي المقابل كانت هناك تظاهرات مضادة رافضة لفكرة الانفصال . كما أن نسبة المشاركة في استفتاء الانفصال بلغت 43% فقط ، مما يشير إلى غياب الإجماع حول هذه القضية المصيرية.

رغم هذا التراجع، فإن النزعة الانفصالية لم تمت تماماً في كتالونيا. فالتجمعات الشعبية، وإن صغر حجمها، تواصل عقد لقاءاتها بشكل منتظم، كما يستمر جزء من المجتمع في التشبث بهويته الانفصالية .

ويمكن فهم هذا التمسك من خلال الخلفية التاريخية للقضية، حيث تمتد جذور الهوية الكتالونية إلى nearly 1000 عام، مع لغة مختلفة وتاريخ مستقل . وعانت كتالونيا من قمع شديد خلال حقبة الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو، الذي ألغى الحكم الذاتي للإقليم ومنع استخدام اللغة الكتالانية في المؤسسات العامة .

كما أن المظالم الاقتصادية لا تزال قائمة، حيث يشعر الكثير من الكتالونيين أنهم يتحملون عبئاً ضريبياً غير عادل، حيث تُحوَّل نحو 20 مليار يورو سنوياً إلى الحكومة المركزية دون عائد كافٍ .

في ضوء هذا التحول، يبدو أن شباب كتالونيا يتجهون نحو خيارات أكثر واقعية، أبرزها:

تعزيز الحكم الذاتي السعي لحصول الإقليم على صلاحيات أوسع في إطار الدولة الإسبانية.

إصلاح النظام المالي المطالبة بنموذج تمويل أكثر إنصافاً، يشبه ما تتمتع به أقاليم الباسك ونافارا .

معالجة الأولويات الملحة كالبطالة والخدمات العامة، التي أصبحت تشغل بال الشباب أكثر من قضية الانفصال .

يُشكل تراجع النزعة الانفصالية بين شباب كتالونيا نقطة تحول مفصلية في المسار الطويل للقضية الكتالونية. فالجيل الجديد، الذي عانى من تبعات المغامرة الانفصالية، يبدو أكثر إدراكاً لتكاليفها السياسية والاقتصادية، وأكثر توجهاً نحو حلول واقعية قادرة على التعامل مع هواجسه الاقتصادية والاجتماعية الملحة.

ورغم أن جذور الهوية الكتالونية تبقى عميقة، والمطالب التاريخية لم تحل بعد، إلا أن شرائح واسعة من الشباب تفضل اليوم تهدئة الصراع المؤسساتي وتعزيز الحكم الذاتي، معتبرة أن الانفصال لم يعد حلاً واقعياً لتحقيق طموحاتهم. هذا التحول في المزاج العام يضع القادة السياسيين في كتالونيا وإسبانيا أمام مسؤولية تاريخية للخروج بحلول توازن بين تطلعات الكتالونيين الشرعية وضرورات الوحدة الوطنية والاستقرار الاقتصادي.

التعليقات مغلقة.