أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

لا يمكن اعتماد السوابق القضائية وحدها معيارا للحكم على الأفراد

بقلم (م .ع) فاس

يُثار، في كل مرة يتم فيها توقيف أو اعتقال شخص على خلفية قضية ما، نقاشٌ واسع حول ماضيه القضائي، حيث يُسارع البعض إلى استحضار ما يُسمّى «السوابق القضائية» وكأنها حكم نهائي يسبق مسار العدالة، في تعارض صريح مع القواعد الأساسية لدولة الحق والقانون.

 

يعتمد القضاء، في جوهره، على الأفعال الثابتة لا على التاريخ الشخصي، إذ لا يمكن معاقبة أي فرد بسبب ما نُسب إليه في السابق، بل بسبب ما يُثبت عليه في القضية الحالية من خلال أدلة ملموسة، وقرائن قانونية، وتحقيقات دقيقة تضمن حقوق الدفاع وتحترم مبدأ قرينة البراءة.

 

يشكّل توظيف مصطلح «ذوي السوابق القضائية» خارج سياقه القانوني انزلاقًا خطيرًا نحو الوصم والإدانة المسبقة، كما يُغذّي أحكامًا جاهزة تُفرغ العدالة من مضمونها، وتُقوّض أسس المحاكمة العادلة التي تقوم على الفصل بين الشخص وفعله، وبين الماضي والحاضر.

 

يفرض منطق الديمقراطية والعدل ألا يكون الحكم مبنيًا على التصنيفات أو الانطباعات، بل على الوقائع الموثقة، والمعطيات القانونية، والإعلانات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، بعيدًا عن التأويل أو التهويل الذي قد يؤثر على مسار القضايا وعلى الرأي العام.

 

يتحمّل الإعلام، في هذا السياق، مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة، تقتضي الدقة في المصطلحات واحترام مسار العدالة، لأن الكلمة الإعلامية قد تتحول، دون وعي، إلى أداة إدانة تسبق حكم القضاء وتؤثر على صورته ونزاهته.

 

يبقى العدل الحقيقي قائمًا على محاسبة الفعل لا الشخص، والجريمة لا الماضي، والحكم بالأدلة لا بالأوصاف، وهو المبدأ الذي بدونه لا يمكن الحديث عن عدالة منصفة ولا عن ديمقراطية تحمي حقوق جميع المواطنين دون استثناء.

التعليقات مغلقة.