فتحت مخرجات الإنتخابات الأخيرة للمجلس الوطني للصحافة نقاشا جديا حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع الإعلام والصحافة، وما تفرضه المرحلة المقبلة من ضرورة إعادة النظر في آليات التدبير المهني والعلاقة بين مختلف مكونات الجسم الصحفي.
ولا تقتصر أهمية هذه المحطة على نتائج الانتخابات أو منطق الربح والخسارة، بل تتجاوز ذلك إلى طرح أسئلة أساسية حول قدرة المؤسسات المهنية على مواجهة الإكراهات التي أصبحت تطبع الممارسة الصحفية، سواء على المستوى المهني أو الاقتصادي أو الرقمي.
ويشهد قطاع الإعلام تحولات عميقة بفعل التطور التكنولوجي والانتقال المتسارع نحو المنصات الرقمية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة قضايا مستقبل الصحافة، وأدوار الهيئات المهنية، وحدود التنظيم الذاتي، ومدى قدرة الإطار المؤسساتي الحالي على مواكبة المتغيرات التي يعرفها القطاع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز استقلالية الهيئات المكلفة بالتنظيم المهني، مع إرساء تمييز واضح بين الاختصاصات المهنية والتنظيمية وبين المصالح الاقتصادية والتمثيلية للمقاولات الصحفية، بما يساهم في وضع قواعد أكثر وضوحاً وشفافية في تدبير الشأن المهني.
كما تظل العلاقة بين الصحفي والناشر من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة متوازنة، تقوم على احترام الحقوق والواجبات، وحماية الاستقلالية المهنية، وضمان الحقوق المادية والمعنوية للصحفيين، مع أخذ الإكراهات الاقتصادية التي تواجهها المقاولات الإعلامية بعين الاعتبار.
وتفرض المرحلة المقبلة اعتماد مقاربة تقوم على الحوار والانفتاح والشفافية، وإتاحة المجال أمام مختلف مكونات الجسم الصحفي للتعبير عن مواقفها ومقترحاتها، بما يعزز الثقة في المؤسسات المهنية ويمنح التنظيم الذاتي قدرة أكبر على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع الصحافة.
وبذلك، يمكن أن تشكل مخرجات الانتخابات الأخيرة مناسبة لفتح نقاش مهني مسؤول حول مستقبل المهنة وتطوير مؤسساتها، وتعزيز استقلاليتها وترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية، بما يخدم حق المجتمع في إعلام مهني ومسؤول، ويحافظ في الوقت ذاته على كرامة الصحفي واستقلالية العمل الصحفي.

التعليقات مغلقة.