أنثروبولوجيا الإعلام: بين صناعة الوعي وتزييفه في عصر الثورة الرقمية
"جريدة أصوات"
تشكل أنثروبولوجيا الإعلام اليوم أحد الحقول المعرفية المتقاطعة التي تجمع بين علم الإنسان والدراسات الإعلامية، حيث تهتم بدراسة العلاقة المعقدة بين وسائل الإعلام والثقافة والمجتمع، مع التركيز على كيفية إنتاج الرسائل الإعلامية واستقبالها وتأويلها داخل السياقات الاجتماعية المختلفة.
وقد نشأ هذا التخصص في إطار علم الاجتماع الإعلامي، متأثراً بأعمال مدرسة كولومبيا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، قبل أن يتوسع لاحقاً ليشمل مختلف الوسائط التقليدية والحديثة.
في بداياته، انصب اهتمام هذا الحقل على الدراسات الإثنوغرافية، التي اعتمدت الوصف الدقيق لسلوكيات المنتجين والجمهور، لفهم أنماط التفاعل مع وسائل الإعلام، سواء عبر الراديو أو السينما أو التلفزيون. غير أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، خاصة منذ أواخر القرن العشرين، فرضت على الباحثين الانتقال نحو دراسة الوسائط الرقمية، مثل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فاعلاً مركزياً في تشكيل الرأي العام وتوجيهه.
وتتميز أنثروبولوجيا الإعلام بطابعها المتعدد التخصصات، إذ تستفيد من نظريات ومقاربات متنوعة، من بينها نظريات الممارسة، ونظرية الإشباعات والاستخدامات، ونظرية الثراء الإعلامي، ونظرية سوق الولاءات، إضافة إلى مقاربات مستمدة من دراسات الأفلام والطقوس والأداء، ونظريات العولمة والإعلام الجديد. وتتيح هذه المقاربات فهماً أعمق للكيفية التي تُنتج بها الرسائل الإعلامية، وكيف تستخدم كأدوات للتأثير الثقافي والاجتماعي.
في هذا السياق، يبرز دور وسائل الإعلام ليس فقط كناقل للمعلومة، بل كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل الوعي الجماعي. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن الإعلام الحديث لم يعد يكتفي بعكس الواقع، بل أصبح يعيد صياغته وفق أجندات معينة، من خلال تقنيات رمزية وسيميائية تستهدف التأثير في اللاوعي الجماعي، وتحويل المتلقي إلى مستهلك سلبي للرسائل الإعلامية.
كما ساهمت الثورة الرقمية في تعميق هذا التحول، حيث أفرزت ما يمكن تسميته بـ”ثورة الإنفوميديا”، التي جعلت من الوسائط الذكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية. ولم تعد الأنثروبولوجيا تدرس فقط تأثير الإعلام على الجمهور، بل أصبحت تركز على كيفية تشكل العادات الرقمية، وأنماط التفاعل مع التكنولوجيا، ودورها في إعادة بناء الهوية الفردية والجماعية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المنهج الإثنوغرافي كأداة أساسية لفهم الممارسات الإعلامية، من خلال الملاحظة المباشرة والمشاركة في حياة الأفراد، ووصف سلوكياتهم وأنماط استهلاكهم للمحتوى الإعلامي. ويكمل هذا الدور التحليل الأنثروبولوجي، الذي يسعى إلى تفسير هذه الظواهر وتأويلها ضمن سياقاتها الثقافية والاجتماعية.
غير أن هذا التطور لم يخل من إشكالات، حيث يشير عدد من الباحثين إلى تحول الإعلام إلى أداة للهيمنة الرمزية، تُستخدم لتوجيه الرأي العام وخدمة مصالح قوى اقتصادية وسياسية كبرى. وفي هذا السياق، يتم توظيف تقنيات متقدمة لإنتاج محتوى جذاب، يخفي في طياته رسائل مؤدلجة، تسهم في تشكيل وعي زائف لدى الجمهور، وتدفعه نحو أنماط استهلاكية محددة.
كما أن العلاقة بين الإعلام والثقافة أصبحت أكثر تعقيدا، إذ لم يعد الإعلام مجرد ناقل للثقافة، بل أصبح منتجاً لها، ومؤثراً في مكوناتها وقيمها. وفي ظل التدفق الإعلامي العالمي، تواجه الثقافات المحلية تحديات حقيقية، تتمثل في خطر الذوبان داخل نماذج ثقافية مهيمنة، تُروج عبر وسائل إعلام عابرة للحدود.
أمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في دور أنثروبولوجيا الإعلام، ليس فقط كأداة تحليلية، بل كوسيلة نقدية تسهم في كشف آليات التأثير الإعلامي، وتعزيز الوعي لدى الجمهور. كما يصبح من الضروري تطوير مقاربات علمية تسهم في بناء إعلام مسؤول، يحترم القيم الثقافية، ويعزز الهوية، بدل أن يسهم في تمييعها.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في فهم وسائل الإعلام، بل في القدرة على التعامل معها بوعي نقدي، يميز بين الحقيقة والتضليل، ويعيد للإعلام دوره الأصلي كأداة للتنوير والتثقيف، لا كوسيلة للهيمنة والتوجيه.

التعليقات مغلقة.