أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

«إسرائيل بين نهاية الوهم وبداية الواقعية: كيف تغيّر ميزان القوة في المنطقة؟»

تتهادى مؤشرات التغيير في المنطقة كأنها رسائل طمأنة تأتي تباعاً، برغم الضجيج الإعلامي الذي لا يرى سوى الكوارث والانكسارات. لكن خلف هذا الغبار الكثيف، تتحرك لوحة الجغرافيا السياسية في اتجاه جديد؛ اتجاه يبدو –لمن يتأمله جيداً– أقرب إلى بداية تصحيح مسار طال انتظاره.

أبرز هذه التحولات أنّ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يغادر مربع الاحتكار، ليدخل مرحلة التدويل بوتيرة غير مسبوقة. ومع أولى قرارات مجلس الأمن الأخيرة، بدأت تتقلص مساحة المناورة الإسرائيلية، ويتراجع الدور الذي كانت تمارسه باعتبارها “القوة التي لا تُمس”.

إن إسرائيل تُستعاد إلى حجمها الطبيعي، بعد سنوات من تضخم الدور والقدرات بلا حدود. القوة العظمى في العالم استعادت زمام المبادرة، والدولة الصغيرة التي كانت تتصرف كأنها فوق القانون الدولي وجدت نفسها مضطرة للامتثال. ليس لأن القيادة الإسرائيلية رغبت بذلك، بل لأن ميزان القوة فرض عليها ما تهربت منه طويلاً.

حتى الغضب الداخلي من تزويد السعودية بطائرات F-35 ليس في الحقيقة “هزيمة استراتيجية”. ربما هو خطوة تضع السلاح في أيدي قوى إقليمية أخرى، بما يحد من تفرد إسرائيل وقدرتها على التصرف بمنطق القوة المطلقة. لعقود، تحركت تل أبيب كقوة تُراقبها المنطقة بخوف، تقصف هنا وتخترق هناك، بلا رقيب أو محاسبة. اليوم، يتغير المشهد.

إن تراجع القدرة الإسرائيلية على الانفراد بقطاع غزة ليس خسارة، بل ضرورة فرضها الواقع. قطاع غزة أصبح مقبرة مفتوحة بسبب السياسات الإسرائيلية. دخول الولايات المتحدة أو أي قوة دولية إلى هذا الملف قد يكسر دائرة الدمار المستمرة منذ سنوات.

ومثلما تُنتزع يد إسرائيل من إدارة غزة، قد تمتد هذه اليد يوماً ما إلى الضفة الغربية، حيث يعيش شعب أعزل، بلا حماية ولا حقوق. هذا السيناريو يبدو بعيداً الآن، لكنه لم يعد مستحيلاً. في عالم يتحرك بسرعة، قد يصبح حل الدولة الفلسطينية أقرب مما يظن المتشائمون.

أما العلاقة الأميركية–السعودية التي تتصاعد بوتيرة ملحوظة، فلا سبب يدعو إسرائيل للجزع منها. التفوق النوعي الذي تتعامل معه تل أبيب باعتباره حقاً مقدساً لم يُمنح لها إلى الأبد. المنطقة تتغير، والتوازنات تتغير معها، ومنطق “السلاح لنا وحدنا” لم يعد ممكناً في عالم متعدد القوى.

لقد انزلقت إسرائيل سنوات طويلة إلى وهم التفوق المطلق؛ تُهاجم حيث تشاء، وتخرق الاتفاقات كما تشاء، وتُصوّر العالم كأنه ملعب خاص بها. لكن هذا النهج بدأ في الانكماش.

ربما يكون ما نعيشه اليوم نهاية حقبة برمتها؛ نهاية مرحلة التعالي السياسي والعسكري، وبداية زمن جديد تُعاد فيه الأمور إلى نصابها. ليست “لعنة” كما يروج البعض، بل ربما هي نعمة تضع المنطقة على مشارف واقع أكثر توازناً، بعدما طغى العبث بما فيه الكفاية.

ChatGPT

التعليقات مغلقة.