أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

ازدواجية خطابية أم نقد مسؤول؟ قراءة في تصريحات حميد المهداوي حول الملكية

في النقاش العمومي المغربي، تحتل المؤسسة الملكية مكانة دستورية ورمزية، ما يجعل تناولها إعلامياً اختباراً حقيقياً للمهنية والاتساق. فليس كل من يرفع شعار الجرأة ناقداً مسؤولاً، وليس كل خطاب مرتفع السقف يحمل رؤية واضحة أو موقفاً ثابتاً.

عند متابعة تصريحات حميد المهداوي عبر فترات مختلفة، يبرز تناقض لافت في خطاباته. ففي سياقات معينة، يقدم نفسه كـ”مع الملكية”، مؤكداً احترامه للمؤسسة والدعوة إلى الاستقرار والثوابت. وفي سياقات أخرى، يذهب إلى الحديث عن ضرورة أن “يعرف المعارضون كيف يندسّون وسط المغاربة” استعداداً لـ”الإطاحة بالملكية”، وهي عبارة تحمل دلالات ثقيلة وتفتح الباب لتأويلات خطيرة.

المشكلة ليست فقط في حدّة العبارة، بل في التناقض الجذري بين الخطابين، مما يضع المتلقي أمام سؤال محرج: هل نحن أمام موقف ثابت أم خطاب يتغير حسب الجمهور والسياق؟ هذا النوع من الشعبوية لا يظهر فقط في الصراخ أو الاستفزاز، بل في اللعب على الحبال الخطابية، حيث يُقال لكل جمهور ما يريد سماعه: خطاب تطمين لمن يخشى المساس بالثوابت، وخطاب تعبوي لجمهور يبحث عن لغة صدامية.

من الناحية المهنية، تغيير الموقف ليس خطأ بحد ذاته، لكن الخطأ يبدأ حين يتم الانتقال الصامت بين نقيضين، مع الإصرار على اعتباره متسقاً، ما يضر بالمصداقية. والأخطر أن خطاباً يتناول المؤسسة الملكية يتحول إلى رسائل رمزية قابلة للتوظيف خارج سياقها، سواء من متابعين متحمسين أو خصوم يسعون للاستفادة من تناقضاته.

كما أن الدعوة إلى “الاندساس” وسط المجتمع، حتى لو قُدّمت نظرياً، تطرح إشكالات أخلاقية وإعلامية، لأنها تستبدل النقاش المفتوح بمنطق الاختراق والمواجهة غير المعلنة، متناقضة مع خطاب آخر يقدّم نفسه كمدافع عن الشفافية والوضوح.

في المحصلة، المسألة لا تتعلق بموقف “مع” أو “ضد” الملكية، بل بالاتساق. فالخطاب الذي يجمع بين الولاء في لحظة، والتلويح بالإطاحة في لحظة أخرى، يفقد صفة التحليل ويصبح أداة تعبئة ظرفية. الصحافة، حين تنزلق إلى هذا المستوى، لا تُسائل السلطة فحسب، بل تُربك المجتمع.

الرهان الحقيقي اليوم ليس في رفع السقف اللفظي، بل في بناء خطاب نقدي واضح يعرف أين يقف، وماذا يريد، وكيف يعبر عن ذلك دون ازدواجية أو مراوغة. الكلمات قد تُنسى، لكن التناقضات تبقى، وتراكمها يصنع في النهاية حكم الرأي العام.

التعليقات مغلقة.