أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الأحرار بجهة فاس-مكناس: رهان المشروعية في ظل التحولات السياسية الراهنة

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

تعيش جهة فاس-مكناس على إيقاع مرحلة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها التحولات العميقة مع أسئلة الثقة والتمثيل، في ظل غياب عدد من الوجوه السياسية التي كانت تُوصف بـ“أباطرة الانتخابات”، إما بسبب المتابعات القضائية أو الاعتقالات أو الانسحاب القسري من المشهد. هذا الواقع الجديد يفرض نفسه بقوة على الساحة المحلية، ويجعل من حزب التجمع الوطني للأحرار في قلب النقاش العمومي، باعتباره أحد أبرز المستفيدين المحتملين من إعادة ترتيب الأوراق، لكنه في الوقت ذاته مطالب بإثبات قدرته على تحويل الفراغ إلى مشروعية سياسية حقيقية لا مجرد تفوق ظرفي.

خلال السنوات الأخيرة، استطاع حزب الأحرار أن يعزز حضوره في عدد من الجماعات الترابية والدوائر الانتخابية بجهة فاس-مكناس، مستفيدًا من تنظيم حزبي محكم، ومن موقعه في قيادة الأغلبية الحكومية، إضافة إلى تراجع تأثير شبكات انتخابية تقليدية كانت تعتمد على النفوذ المالي والعلاقات الزبونية أكثر من اعتمادها على البرامج والرؤى. هذا التراجع خلق نوعًا من الانكسار في ميزان القوى، وفتح المجال أمام فاعلين جدد، في مقدمتهم الأحرار، لملء المساحة التي خلفها الغياب المفاجئ لبعض القيادات المحلية.

غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بقدرة الحزب على الفوز بالمقاعد أو السيطرة على المناصب، بل بمدى قدرته على إقناع المواطن الفاسي والمكناسي بأن هذا الحضور السياسي يحمل نفسًا إصلاحيًا مختلفًا، ويقطع مع ممارسات الماضي التي أضعفت ثقة الناخب في العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة. فالشارع المحلي، وإن بدا أحيانًا متعبًا من الصراعات السياسية، يظل يقظًا تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج نفس الأساليب بأسماء جديدة.

إن الاعتقالات التي طالت بعض رؤساء الجماعات والبرلمانيين السابقين، وإن كانت في جوهرها إجراءات قضائية مرتبطة بمسؤوليات فردية، فقد ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي ككل، ورسخت لدى فئة واسعة من المواطنين شعورًا بأن مرحلة كاملة قد طويت، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تُبنى على معايير مختلفة، قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب الكفاءة والنزاهة على منطق الولاءات. وفي هذا السياق، يجد حزب الأحرار نفسه أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون عنوانًا لهذه المرحلة الجديدة، أو مجرد مستفيد مؤقت من تصدع خصومه.

الواقع أن الاكتساح السياسي، إن تحقق، لن يكون نتاج عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين التنظيم الحزبي، والخطاب السياسي، والقدرة على تقديم أجوبة ملموسة عن الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق ساكنة الجهة، من بطالة الشباب، وتراجع الخدمات، وضعف الاستثمار المحلي، إلى إشكالات التعمير والنقل والعدالة المجالية. ففاس-مكناس ليست جهة سهلة الاختزال في منطق الأرقام الانتخابية، بل فضاء تاريخي وثقافي له حساسيته السياسية وذاكرته الجماعية.

كما أن غياب “الأباطرة” لا يعني بالضرورة غياب المنافسة، فالأحزاب الأخرى تراقب الوضع عن كثب، وتستعد لإعادة التموضع، مستفيدة بدورها من أخطاء المرحلة السابقة ومن التحولات الجارية. وهذا ما يجعل من أي رهان على اكتساح شامل رهانًا محفوفًا بالمخاطر، إذا لم يُدعَّم بعمل ميداني حقيقي، وبنخب محلية قادرة على التواصل، وباختيارات أخلاقية واضحة في تدبير الشأن العام.

في المحصلة، يمكن القول إن حزب التجمع الوطني للأحرار يمتلك اليوم فرصة سياسية مهمة في جهة فاس-مكناس، فرصة قد لا تتكرر بنفس الشروط، لكن تحويلها إلى نجاح مستدام يمر عبر تجاوز منطق التعويض عن غياب الآخرين، والانتقال إلى منطق البناء الذاتي للمشروعية. فالمواطن لم يعد يصوت فقط ضد هذا أو ذاك، بل أصبح، ولو ببطء، يبحث عمن يستحق صوته. وفي هذا التحول، يتحدد الجواب الحقيقي عن سؤال الاكتساح: هل سيكون تعبيرًا عن ثقة، أم مجرد نتيجة لفراغ مؤقت سرعان ما يملؤه البديل؟

التعليقات مغلقة.