أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الانتخابات بين طقوس الوعود الكاذبة وإعادة تدوير الخيبة

بقلم: ريشة الهدهد

في كل استحقاق انتخابي، لا يبدو أن المغرب يعيش لحظة سياسية حقيقية بقدر ما يعيش طقسا موسميا يتكرر بانتظام، تتبدل فيه الشعارات ولا تتغير الممارسات، وتتجدد الوعود بينما تبقى النتائج حبيسة الإخفاق ذاته!، فالانتخابات، كما تمارَس، تحولت من آلية ديمقراطية للمحاسبة والاختيار، إلى مشهد روتيني فاقد للروح والمعنى.

تعود الوجوه نفسها إلى الواجهة، محمّلة بخطابات منمّقة، تتحدث عن العدالة الاجتماعية والكرامة، والتنمية الشاملة، في وقت يبدو فيه أصحاب هذه الخطابات بعيدين كل البعد عن معاناة المواطن اليومية، فجأة يصبح السياسي خبيرا في كل القطاعات، من التعليم إلى الصحة، ومن التشغيل إلى السكن، دون أن يقدّم تفسيرا واحدا لإخفاقاته السابقة أو فشله في الوفاء بتعهداته.

أضحت العملية الانتخابية مسرحية معروفة النهاية، يستدعى فيها المواطن لأداء دور المتفرج المشارك شكليا، بينما تصاغ القرارات الفعلية في دوائر مغلقة، وتختزل المشاركة السياسية في ورقة توضع داخل صندوق، لا يتغير بعدها شيء سوى الأسماء والعناوين، وهكذا يتحول التصويت من فعل سيادي إلى إجراء بروتوكولي يستعمل لتزيين المشهد الديمقراطي لا غير.

أما الأحزاب السياسية، فقد أضاع كثير منها وظيفته التأطيرية والترافعية، وتحول إلى هياكل انتخابية موسمية، تنشط فقط مع اقتراب الاستحقاقات، وتختفي بعدها تاركة خلفها فراغا سياسيًا عميقًا. برامج ضبابية، صراعات داخلية، وانشغال بتقاسم المواقع بدل الانكباب على قضايا المجتمع الحقيقية.

تلعب الأموال دورا حاسما في هذا المشهد، حيث تختزل المنافسة الانتخابية في منطق النفوذ والقدرة على الحشد، لا في قوة الأفكار والمشاريع، وتشترى الأصوات بطرق مباشرة أو ملتوية، بينما يقصى الشباب والكفاءات المستقلة، ويدفع بهم إلى هامش المشهد، ليظل الفقر والبطالة والهشاشة خارج أولويات الفعل السياسي.

غير أن أخطر ما يهدد المسار الانتخابي ليس العزوف فقط، بل تطبيع المواطن مع الرداءة السياسية، حين يفقد الناس ثقتهم في الانتخابات، ويتعاملون مع الوعود بسخرية، ومع الخطابات بلا اكتراث، تصبح الديمقراطية نفسها مهددة من الداخل، فاللامبالاة ليست حيادا، بل شكل من أشكال الهزيمة الصامتة.

إن الانتخابات، في جوهرها، يجب أن تكون أداة للمحاسبة لا وسيلة لإعادة إنتاج الفشل، ومسارا للتغيير لا آلية لتدوير الوجوه، وما لم يربط العمل السياسي بالمسؤولية الحقيقية، وتمنح للمواطن سلطة فعلية في الاختيار والمساءلة، ستظل الانتخابات مجرد موعد في الروزنامة السياسية، بلا أثر حقيقي، وبلا أفق يقنع الناس بأن المشاركة تستحق العناء.

التعليقات مغلقة.